مدارج السالكين

وغلَّ رجلٌ من الغنيمة، ثمَّ تاب فجاء بما غَلَّه إلى أمير الجيش، فأبى أن يقبله منه وقال: كيف لي بإيصاله إلى الجيش وقد تفرَّقوا؟ فأتى حجَّاجَ بن الشَّاعر١ فقال: يا هذا إنَّ الله يعلم الجيش وأسماءهم وأنسابهم، فادفع خُمُسَه إلى صاحب الخُمس، وتصدَّقْ بالباقي عنهم، فإنَّ الله يوصل ذلك إليهم ــ أو كما قال ــ ففعَلَ. فلمّا أخبر معاوية قال: لأن أكون أفتيتُك بذلك أحبُّ إليَّ من نصف مُلكي٢.

قالوا: وكذلك اللُّقَطة إذا لم يجد ربَّها بعد تعريفها ولم يُرِد أن يتملَّكها، تصدَّق بها عنه. فإن ظهر مالكُها خيَّره بين الأجر والضَّمان.

قالوا: وهذا لأنَّ المجهولَ في الشَّرع كالمعدوم، فإذا جُهِلَ المالكُ صار بمنزلة المعدوم. وهذا مالٌ لم يُعلَمْ له مالكٌ معيَّنٌ، ولا سبيل إلى تعطيل الانتفاع به، لما فيه من المفسدة والضَّرر بمالكه والفقراء ومَن هو في يده. أمَّا المالكُ فلعدم وصول نفعه إليه، وكذلك الفقراء. وأمَّا مَن هو في يده فلعدم تمكُّنه من الخلاص من إثمه، فيغرَّمُه يوم القيامة من غير انتفاعٍ به. ومثلُ هذا لا تبيحه شريعةٌ، فضلًا عن أن تأمر به وتوجبَه، فإنَّ الشَّرائع مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان وتكميلها، وتعطيلِ المفاسد بحسب الإمكان وتقليلها؛ وتعطيلُ هذا المال ووقفُه ومنعُه عن الانتفاع به مفسدةٌ محضةٌ لا مصلحةَ فيها، فلا يصار إليه.

قالوا: وقد استقرَّت قواعدُ الشَّرع على أنَّ الإذنَ العرفيَّ كاللَّفظيِّ. فمن

  1. (١) الصواب: "عبد الله بن الشاعر"، كما علقت آنفًا.
  2. (٢) أخرجه سعيد بن منصور في "السنن" (٢٧٣٢) وأبو إسحاق الفزاري في "السير" (ص ٢٤٩) وابن المنذر في "الأوسط" (١١/ ٦٠) كلاهما عن حوشب بن سيف.
594

رأى بمال غيره موتًا وهو ممَّا يمكن استدراكُه بذبحه، فذبَحَه إحسانًا إلى مالكه ونصحًا له، فهو مأذونٌ له فيه عرفًا وإلَّا كان المالك سفيهًا؛ فإذا ذبحه لمصلحة مالكه لم يضمَنْه، لأنّه محسنٌ، و﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]؛ وكذلك إذا غصبه ظالمٌ، أو خاف عليه منه، فصالَحَه عليه ببعضه، فسلِمَ الباقي لمالكه، وهو غائبٌ عنه؛ أو رآه آئلًا إلى تَلافٍ١ محضٍ فباعه، وحفظ ثمنه له، ونحو ذلك= فإنَّ هذا كلَّه مأذونٌ فيه عُرفًا من المالك.

وقد باع عُروة بن الجَعْد البارقيُّ ﵁ وكيلُ النَّبيِّ ﷺ مِلْكَ النَّبيِّ ﷺ بغير استئذانه لفظًا، واشترى له ببعض ثمنه مثلَ ما وكَّله في شرائه بذلك الثَّمن كلِّه، ثمَّ جاءه بالثَّمن وبالمشترى، فقَبِله النَّبيُّ ﷺ، ودعا له٢.

وأشكل هذا على بعض الفقهاء، وبناه على تصرُّف الفضوليِّ، فأُورِدَ عليه أنَّ الفضوليَّ لا يَقبِضُ ولا يُقْبِضُ، وهذا قَبَض وأَقْبَضَ. وبناه آخَرُ على أنَّه كان وكيلًا مطلقًا في كلِّ شيءٍ٣. وهذا أفسد من الأوّل، فإنّه لا يُعرف عن رسول الله ﷺ أنّه وكَّل أحدًا وكالةً مطلقةً البتَّة، ولا نقَلَ ذلك عنه مسلمٌ. والصَّواب أنّه مبنيٌّ على هذه القاعدة: أنَّ الإذنَ العرفيَّ كالإذن اللَّفظيِّ٤، ومن رضي بالمشترَى وخروجِ ثمنه عن مِلْكه، فهو بأن يرضى به ويحصُلَ له

  1. (١) ج، ش: "إتلاف". والتَّلافُ كالتَّلَف مصدر تلِفَ، غير أنَّ كتب اللغة لم تذكره. انظر ما علَّقت في "الداء والدواء" للمؤلف (ص ٥٠٧).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٣٦٤٢).
  3. (٣) انظر: "الوسيط" للغزالي (٣/ ٢٩٥)، و"المغني" (٧/ ٢٤٢)، و"المفاتيح شرح المصابيح" للمظهري (٣/ ٤٧٤ - ٤٧٥).
  4. (٤) وانظر: "أعلام الموقعين" (٣/ ٤٠٩).
595

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي