رأى بمال غيره موتًا وهو ممَّا يمكن استدراكُه بذبحه، فذبَحَه إحسانًا إلى مالكه ونصحًا له، فهو مأذونٌ له فيه عرفًا وإلَّا كان المالك سفيهًا؛ فإذا ذبحه لمصلحة مالكه لم يضمَنْه، لأنّه محسنٌ، و﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾
[التوبة: ٩١]؛ وكذلك إذا غصبه ظالمٌ، أو خاف عليه منه، فصالَحَه عليه ببعضه، فسلِمَ الباقي لمالكه، وهو غائبٌ عنه؛ أو رآه آئلًا إلى تَلافٍ١ محضٍ فباعه، وحفظ ثمنه له، ونحو ذلك= فإنَّ هذا كلَّه مأذونٌ فيه عُرفًا من المالك.
وقد باع عُروة بن الجَعْد البارقيُّ ﵁ وكيلُ النَّبيِّ ﷺ مِلْكَ النَّبيِّ ﷺ بغير استئذانه لفظًا، واشترى له ببعض ثمنه مثلَ ما وكَّله في شرائه بذلك الثَّمن كلِّه، ثمَّ جاءه بالثَّمن وبالمشترى، فقَبِله النَّبيُّ ﷺ، ودعا له٢.
وأشكل هذا على بعض الفقهاء، وبناه على تصرُّف الفضوليِّ، فأُورِدَ عليه أنَّ الفضوليَّ لا يَقبِضُ ولا يُقْبِضُ، وهذا قَبَض وأَقْبَضَ. وبناه آخَرُ على أنَّه كان وكيلًا مطلقًا في كلِّ شيءٍ٣. وهذا أفسد من الأوّل، فإنّه لا يُعرف عن رسول الله ﷺ أنّه وكَّل أحدًا وكالةً مطلقةً البتَّة، ولا نقَلَ ذلك عنه مسلمٌ. والصَّواب أنّه مبنيٌّ على هذه القاعدة: أنَّ الإذنَ العرفيَّ كالإذن اللَّفظيِّ٤، ومن رضي بالمشترَى وخروجِ ثمنه عن مِلْكه، فهو بأن يرضى به ويحصُلَ له
- (١) ج، ش: "إتلاف". والتَّلافُ كالتَّلَف مصدر تلِفَ، غير أنَّ كتب اللغة لم تذكره. انظر ما علَّقت في "الداء والدواء" للمؤلف (ص ٥٠٧).
- (٢) أخرجه البخاري (٣٦٤٢).
- (٣) انظر: "الوسيط" للغزالي (٣/ ٢٩٥)، و"المغني" (٧/ ٢٤٢)، و"المفاتيح شرح المصابيح" للمظهري (٣/ ٤٧٤ - ٤٧٥).
- (٤) وانظر: "أعلام الموقعين" (٣/ ٤٠٩).