ونظيرُ هذا: مريضٌ عجز أصحابه في السّفر أو الحضر عن استئذانه في إخراج شيءٍ من ماله في علاجه، وخِيفَ عليه، فإنَّهم يُخرجون من ماله ما هو مضطرٌّ إليه بدون استئذانه بناءً على العرف في ذلك.
ونظائرُ ذلك ممَّا مصلحتُه وحسنُه مستقرٌّ في فِطَر الخلق، ولا تأتي شريعةٌ بتحريمه= كثيرٌ٢.
وإذا ثبت ذلك، فمن المعلوم أنَّ صاحبَ هذا المال الذي قد حيل بينه وبينه أشدُّ شيءٍ رضًا بوصول نفعه الأخرويِّ إليه، وهو أكرَهُ شيءٍ لتعطيله أو إبقائه مقطوعًا عن الانتفاع به دنيا وأخرى؛ وإذا وصل إليه ثوابُ ماله سرَّه ذلك أعظمَ من سروره بوصوله إليه في الدُّنيا. فكيف يقال: مصلحةُ تعطيل هذا المال عن انتفاع الميِّت٣ والمساكين ومَن هو بيده أرجَحُ من مصلحة إنفاقه شرعًا؟ بل أيُّ مصلحةٍ دينيَّةٍ أو دنيويَّةٍ في هذا التَّعطيل؟ وهل هو إلّا محضُ المفسدة؟
ولقد سئل شيخُنا أبو العبَّاس ابن تيميَّة قدَّس الله روحَه، سأله شيخٌ فقال: هربتُ من أستاذي وأنا صغيرٌ، إلى الآن لم أطَّلع له على خبرٍ، وأنا مملوكٌ، وقد خفتُ من الله، وأريد براءة ذمّتي من حقِّ أستاذي من رقبتي. وقد سألتُ جماعةً من المفتين، فقالوا لي: اذهب، فاقعد في المستودَع! فضحك شيخنا،
(١) كذا وقعت العبارة في النسخ "بأن يرضى به" يعني: بأن يحصل له المشترى.
(٢) لم ترد كلمة "كثير" في ع، وهي مضروب عليها في ق، ل.
(٣) ش: "هذا الميت".
وقال: تصدَّق بقيمتك ــ أعلى ما كانت ــ عن سيِّدك، ولا حاجة لك بالمستودع عبثًا في غير مصلحةٍ، وإضرارًا بك، وتعطيلًا عن مصالحك. ولا مصلحةَ لأستاذك في هذا، ولا لك، ولا للمسلمين. أو نحو هذا من الكلام.
فقالت طائفةٌ: يردُّه إلى مالكه إذ هو عينُ ماله، ولم يقبضه بإذن الشَّارع ولا حصل لربِّه في مقابلته نفعٌ مباحٌ.
وقالت طائفةٌ: بل توبتُه بالتَّصدُّق به، ولا يدفعه إلى من أخذه منه. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀١. وهو أصوَبُ القولين، فإنَّ قابضه إنَّما قبضه ببذل مالكه له ورضاه ببذله، وقد استوفى عوضَه المحرَّمَ، فكيف يجمع له بين العوض والمعوَّض؟ وكيف يردُّ عليه مالًا قد استعان به على معاصي الله، ورضي بإخراجه فيما يستعين به عليها ثانيًا وثالثًا؟ وهل هذا إلّا محضُ إعانته على الإثم والعدوان؟ وهل يناسب هذا محاسنَ الشَّرع أن يقضى للزَّاني بكلِّ ما دفعه إلى من زنى بها، ويؤخذ منها ذلك طوعًا أو كرهًا، فيعطاه وقد نال غرضه منها٢؟