مدارج السالكين

وقال: تصدَّق بقيمتك ــ أعلى ما كانت ــ عن سيِّدك، ولا حاجة لك بالمستودع عبثًا في غير مصلحةٍ، وإضرارًا بك، وتعطيلًا عن مصالحك. ولا مصلحةَ لأستاذك في هذا، ولا لك، ولا للمسلمين. أو نحو هذا من الكلام.

فصل

المسألة الثَّانية: إذا عاوضَ غيرَه معاوضةً محرَّمةً، وقبَض العوضَ ــ كالزَّانية والمغنِّي وبائع الخمر وشاهد الزُّور ونحوهم ــ ثمَّ تاب والعوضُ بيده.

فقالت طائفةٌ: يردُّه إلى مالكه إذ هو عينُ ماله، ولم يقبضه بإذن الشَّارع ولا حصل لربِّه في مقابلته نفعٌ مباحٌ.

وقالت طائفةٌ: بل توبتُه بالتَّصدُّق به، ولا يدفعه إلى من أخذه منه. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀١. وهو أصوَبُ القولين، فإنَّ قابضه إنَّما قبضه ببذل مالكه له ورضاه ببذله، وقد استوفى عوضَه المحرَّمَ، فكيف يجمع له بين العوض والمعوَّض؟ وكيف يردُّ عليه مالًا قد استعان به على معاصي الله، ورضي بإخراجه فيما يستعين به عليها ثانيًا وثالثًا؟ وهل هذا إلّا محضُ إعانته على الإثم والعدوان؟ وهل يناسب هذا محاسنَ الشَّرع أن يقضى للزَّاني بكلِّ ما دفعه إلى من زنى بها، ويؤخذ منها ذلك طوعًا أو كرهًا، فيعطاه وقد نال غرضه منها٢؟

  1. (١) انظر: "جامع المسائل" (٨/ ٢٧٨، ٢٩٥)، و"مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٣٠٩).
  2. (٢) ش: "فيعطاه وقد تابت"! وفي ع: "عوضه" مكان "غرضه"، وأشير في هامشها إلى أن في نسخة أخرى ما أثبت.
597

وهَبْ أنَّ هذا المالَ لم يملكه الآخذُ، فمِلْكُ صاحبِه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه، وقد سلَّم له ما في قُبالته من النَّفع، فكيف يقال: مِلكُه باقٍ عليه ويجب ردُّه إليه؟ وهذا بخلاف أمره بالصَّدقة به، فإنَّه قد أخَذَه من وجهٍ خبيثٍ برضا صاحبه وبذله له فلم يَطِبْ بذلك، وصاحبُه قد رضي بإخراجه عن مِلكه وأن لا يعودَ إليه، فكان أحقَّ الوجوه به صرفُه في المصلحة التي ينتفع بها من قبَضَه، ويخفَّفَ عنه الإثمُ، ولا يُقوَّى الفاجر به ويُعانُ١ ويُجمَع له بين الأمرين.

وهكذا توبةُ٢ من اختلط مالُه الحلالُ بالحرام، وتعذَّر عليه تمييزُه: أن يتصدَّق بقدر الحرام، ويطيبُ له باقي ماله٣.

فصل

إذا غصَب مالًا، ومات ربُّه، وتعذَّر ردُّه عليه= تعيَّن عليه ردُّه إلى وارثه. فإن مات الوارثُ ردَّه إلى وارثه، وهلمَّ جرًّا. فإن لم يردَّه إلى ربِّه ولا إلى أحد من ورثته، فهل تكون المطالبةُ به في الآخرة للموروث إذ هو ربُّه الأصليُّ وقد غصَبه عليه، أو للوارث الآخِر إذ الحقُّ قد انتقل إليه؟

فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان في مذهب الشَّافعيِّ ﵁.

ويحتمل أن يقال: المطالبة للموروث ولكلِّ واحدٍ من الورثة، إذ كلٌّ

  1. (١) يعني: "ولا يعان" كما في ش. وكذا كان في الأصل ثم ضرب على "لا". وفي م: "فيعان".
  2. (٢) لفظ "توبة" من ع وحدها.
  3. (٣) انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٢٧٣، ٣٠٨).
598

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي