مدارج السالكين

وهَبْ أنَّ هذا المالَ لم يملكه الآخذُ، فمِلْكُ صاحبِه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه، وقد سلَّم له ما في قُبالته من النَّفع، فكيف يقال: مِلكُه باقٍ عليه ويجب ردُّه إليه؟ وهذا بخلاف أمره بالصَّدقة به، فإنَّه قد أخَذَه من وجهٍ خبيثٍ برضا صاحبه وبذله له فلم يَطِبْ بذلك، وصاحبُه قد رضي بإخراجه عن مِلكه وأن لا يعودَ إليه، فكان أحقَّ الوجوه به صرفُه في المصلحة التي ينتفع بها من قبَضَه، ويخفَّفَ عنه الإثمُ، ولا يُقوَّى الفاجر به ويُعانُ١ ويُجمَع له بين الأمرين.

وهكذا توبةُ٢ من اختلط مالُه الحلالُ بالحرام، وتعذَّر عليه تمييزُه: أن يتصدَّق بقدر الحرام، ويطيبُ له باقي ماله٣.

فصل

إذا غصَب مالًا، ومات ربُّه، وتعذَّر ردُّه عليه= تعيَّن عليه ردُّه إلى وارثه. فإن مات الوارثُ ردَّه إلى وارثه، وهلمَّ جرًّا. فإن لم يردَّه إلى ربِّه ولا إلى أحد من ورثته، فهل تكون المطالبةُ به في الآخرة للموروث إذ هو ربُّه الأصليُّ وقد غصَبه عليه، أو للوارث الآخِر إذ الحقُّ قد انتقل إليه؟

فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان في مذهب الشَّافعيِّ ﵁.

ويحتمل أن يقال: المطالبة للموروث ولكلِّ واحدٍ من الورثة، إذ كلٌّ

  1. (١) يعني: "ولا يعان" كما في ش. وكذا كان في الأصل ثم ضرب على "لا". وفي م: "فيعان".
  2. (٢) لفظ "توبة" من ع وحدها.
  3. (٣) انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٢٧٣، ٣٠٨).
598

منهم قد كان يستحقُّه ويجب عليه الدَّفعُ إليه١، فقد ظلمه بترك إعطائه ما وجب عليه دفعُه إليه، فيتوجّه عليه المطالبة له في الآخرة٢.

فإن قيل: فكيف يتخلَّص بالتَّوبة من حقوق هؤلاء؟

قيل: طريقُ التَّوبة: أن يتصدَّق عنهم بمالٍ تجري منافعُ ثوابه عليهم بقدر ما فات كلَّ واحدٍ منهم من منفعة ذلك المال لو صار إليه، متحرِّيًا للممكن من ذلك. وهكذا لو تطاولت على المال سنون، وقد كان يمكن ربَّه أن ينمِّيه بالرِّبح، فتوبتُه بأن يخرج المالَ ومقدار ما فوَّتَه٣ من ربح ماله.

فإن كان قد ربح فيه بنفسه، فقيل: الرِّبحُ كلُّه للمالك، وهو قولُ الشَّافعيِّ وظاهرُ مذهب أحمد٤.

وقيل: كلُّه للغاصب، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. وكذلك لو أودعه مالًا فاتَّجَر به وربح، فربحُه له دون مالكه عندهما وضمانُه عليه٥.

وفيها قولٌ ثالثٌ: أنّهما شريكان في الرِّبح. وهو روايةٌ عن أحمد، واختيار شيخنا٦، وهو أصحُّ الأقوال، فيضمُّ حصَّة المالك من الرِّبح إلى أصل

  1. (١) "إليه" ساقط من ش.
  2. (٢) وانظر: "الدَّاء والدَّواء" (ص ٣٣٥).
  3. (٣) ش: "فانه".
  4. (٤) انظر: "المهذب" للشيرازي (٢/ ٢٠١)، و"المغني" (٧/ ٣٩٩).
  5. (٥) انظر: "بداية المجتهد" (٤/ ٩٦)، وفيه وفي "الهداية" للمرغيناني (٤/ ٢٩٨) وغيره أنه مذهب أبي يوسف.
  6. (٦) انظر: "الروايتين والوجهين" (١/ ٤١٥)، و"جامع المسائل" (٢/ ٢١٧)، و"مجموع الفتاوى" (٣٠/ ٣٢٣، ٣٢٩)، و"الاختيارات الفقهية" للبعلي (ص ١٤٧).
599

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي