منهم قد كان يستحقُّه ويجب عليه الدَّفعُ إليه١، فقد ظلمه بترك إعطائه ما وجب عليه دفعُه إليه، فيتوجّه عليه المطالبة له في الآخرة٢.
فإن قيل: فكيف يتخلَّص بالتَّوبة من حقوق هؤلاء؟
قيل: طريقُ التَّوبة: أن يتصدَّق عنهم بمالٍ تجري منافعُ ثوابه عليهم بقدر ما فات كلَّ واحدٍ منهم من منفعة ذلك المال لو صار إليه، متحرِّيًا للممكن من ذلك. وهكذا لو تطاولت على المال سنون، وقد كان يمكن ربَّه أن ينمِّيه بالرِّبح، فتوبتُه بأن يخرج المالَ ومقدار ما فوَّتَه٣ من ربح ماله.
فإن كان قد ربح فيه بنفسه، فقيل: الرِّبحُ كلُّه للمالك، وهو قولُ الشَّافعيِّ وظاهرُ مذهب أحمد٤.
وقيل: كلُّه للغاصب، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. وكذلك لو أودعه مالًا فاتَّجَر به وربح، فربحُه له دون مالكه عندهما وضمانُه عليه٥.
وفيها قولٌ ثالثٌ: أنّهما شريكان في الرِّبح. وهو روايةٌ عن أحمد، واختيار شيخنا٦، وهو أصحُّ الأقوال، فيضمُّ حصَّة المالك من الرِّبح إلى أصل
وهكذا لو غصَب ناقةً أو شاةً فنُتِجَتْ أولادًا، فقيل: أولادُها كلُّها للمالك. فإن ماتت أو شيءٌ من النِّتاج ردّ أولادَها وقيمةَ الأمِّ وما مات من النِّتاج. هذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد في المشهور عند أصحابه. وقال مالكٌ: إذا ماتت فربُّها بالخيار بين أخذ قيمتها يوم ماتت وتركِ نتاجِها للغاصب، وبين أخذِ نتاجها وتركِ قيمتها. وعلى القول الثَّالث الرَّاجح يكون عليه قيمتُها وله نصفُ النِّتاج١.
فصل
اختلف النَّاسُ هل في الذُّنوب ذنبٌ لا تُقبل توبتُه أم لا؟
فقال الجمهور: التَّوبةُ تأتي على كلِّ ذنبٍ، فكلُّ ذنبٍ يمكن التَّوبةُ منه وتُقْبَل.
وقالت طائفةٌ: لا تقبل توبة القاتل٢. وهذا مذهب ابن عبَّاسٍ ﵁ المعروف عنه وإحدى الرِّوايتين عن أحمد٣.
وقد ناظر ابنَ عبَّاسٍ في ذلك أصحابُه، فقالوا له٤: أليس قد قال الله تعالى في الفرقان: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى أن قال:
(١) بعده في ع زيادة: "والله أعلم". وراجع في المسألة: "بداية المجتهد" (٤/ ١٠٥)، و"مجموع الفتاوى" (٣٠/ ٣٢٠).
(٢) ع: "لا توبة للقاتل".
(٣) "الروايتين والوجهين" (٢/ ٢٤٧).
(٤) لم يرد "له" في ج، ع، وقد استدرك في هامش الأصل.