وفي حديث الشَّفاعة: "أَخرِجُوا من النّار مَن في قلبه مثقالُ حبَّةٍ من خردلٍ من إيمانٍ"٢. وفيه يقول الله تعالى: "وعزَّتي وجلالي، لأُخرِجنَّ من النّار من قال لا إله إلّا الله"٣.
وأضعافُ هذه النُّصوص كثيرٌ تدلُّ على أنّه لا يخلُد في النّار أحدٌ من أهل التَّوحيد.
قالوا: وأمّا هذه الآية التي في النِّساء، فهي نظائر أمثالها من نصوص الوعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾[النساء: ١٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ٤ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾[الجن: ٢٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾[النساء: ١٠]، وقوله ﷺ: "من قتل نفسَه بحديدةٍ، فحديدتُه في يده، يتوجَّأ بها٥ خالدًا مخلَّدًا في نار جهنَّم"٦. ونظائره كثيرةٌ.
(١) تقدَّم تخريجه (ص ٥٠٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٧٥١٠) ومسلم (١٩٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٤) "وقوله ... " إلى هنا ساقط من الأصل، والآية كلها ساقطة من النسخ الأخرى ما عدا ع.
(٥) أي يطعن بها.
(٦) أخرجه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
وقد اختلف النَّاس في هذه النُّصوص على طرقٍ١:
أحدها: القولُ بظاهرها وتخليدُ أرباب هذه الجرائم في النَّار. وهو قول الخوارج والمعتزلة. ثمَّ اختلفوا، فقالت الخوارج: هم كفّارٌ لأنّه لا يخلَّد في النَّار إلّا كافرٌ. وقالت المعتزلة: ليسوا بكفَّارٍ بل فسَّاقٌ مخلَّدون في النَّار. هذا كلُّه إذا لم يتوبوا.
وقالت فرقةٌ: بل هذا الوعيد في حقِّ المستحلِّ لها لأنَّه كافرٌ، وأمَّا مَن فعَلَها يعتقدُ٢ تحريمَها لم يلحقه هذا الوعيدُ وعيدُ الخلود، وإن لحقه وعيدُ الدُّخول.
وقد أنكر الإمام أحمد ﵁ هذا القول، وقال: لو استحلَّ ذلك ولم يفعله كان كافرًا، والنَّبيُّ ﷺ إنّما قال: من فعل كذا وكذا.
وقالت فرقةٌ ثالثةٌ: الاستدلالُ بهذه النُّصوص مبنيٌّ على ثبوت العموم، وليس في اللُّغة ألفاظٌ عامّةٌ.
ومن هاهنا أنكر العمومَ من أنكره، وقصدُهم تعطيلُ هذه الأدلّة عن استدلال المعتزلة والخوارج بها، لكنَّ ذلك يستلزم تعطيلَ الشَّرع جملةً، بل تعطيلَ عامَّة الأخبار. فهؤلاء ردُّوا باطلًا بأبطلَ منه، وبدعةً بأقبحَ منها، وكانوا كمن رام يبني٣ قصرًا، فهدَم مصرًا!
(٣) ش: "أن يبني" وقد استدركت "أن" مع علامة صح في هامش م. وحذفها صواب شائع. ومنه حديث أبي هريرة ﵁ في "صحيح البخاري" (٥١٥٢): "لا يحلّ لامرأة تسألُ طلاق أختها"، أي أن تسأل.