إخلافَ الوعيد ذمًّا، بل جودًا وكرمًا. أمَا سمعتَ قولَ الشَّاعر١:
ولا يَرْهَبُ ابنُ العمِّ ما عشتُ صَولتيولا يختشي٢ من صولةِ المتهدِّدِ
وإنِّي وإن أوعدتُه أو وعدتُهلَمُخْلِفُ إيعادي ومُنْجِزُ مَوعدي٣
وقالت فرقةٌ سابعةٌ: هذه النُّصوص وأمثالُها ممَّا ذُكِرَ فيه المقتضي للعقوبة، ولا يلزم من وجود مقتضي الحُكم وجودُه، فإنَّ الحكمَ إنّما يتمُّ بوجود مقتضيه وانتفاء مانعه. وغايةُ هذه النُّصوص: الإعلامُ بأنَّ كذا سببُ العقوبة ومقتضٍ لها؛ وقد قام الدَّليلُ على ذِكر الموانع، فبعضُها بالإجماع، وبعضُها بالنَّصِّ. فالتَّوبةُ مانعٌ بالإجماع، والتَّوحيدُ مانعٌ بالنُّصوص المتواترة التي لا مدفع لها، والحسناتُ العظيمةُ الماحيةُ مانعةٌ، والمصائبُ الكبارُ المكفِّرةُ مانعةٌ، وإقامةُ الحدود في الدُّنيا مانعٌ بالنَّصِّ. ولا سبيل إلى تعطيل هذه النُّصوص، فلا بدَّ من إعمال النُّصوص من الجانبين. ومن هاهنا قامت الموازنة بين الحسنات والسّيِّئات اعتبارًا لمقتضي العقاب ومانعِه، وإعمالًا لأرجحهما.
قالوا: وعلى هذا بناءُ مصالح الدَّارين ومفاسدهما، وعلى هذا بناءُ الأحكام الشَّرعيَّة والأحكام القدريَّة، وهو مقتضى الحكمة السَّارية في
(١) هو عامر بن الطفيل. انظر: "العقد" (١/ ٢٤٥)، و"اللسان" (ختأ، ختو)، وملحق "ديوانه" (ص ٦٦).
(٢) كذا في النسخ وبعض المراجع، والرواية: "يختتي" أو "أختتي".
(٣) أخرج الخبر الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٢٠٤) والزجَّاجي في "مجالس العلماء" (ص ٦٢) وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (٤/ ٣٠١) والخطيب في "تاريخه" (١٤/ ٦٣) وغيرهم.
الوجود، وبه ارتباطُ الأسباب ومسبَّباتها خلقًا وأمرًا. وقد جعل الله سبحانه لكلِّ ضدٍّ ضدًّا يدافعه ويقاومه، ويكون الحكمُ للأغلب منهما، فالقوّةُ مقتضيةٌ للصِّحّة والعافية، وفسادُ الأخلاط وبغيُها١ مانعٌ من عملِ الطَّبيعة وفعلِ القوَّة، والحكمُ للغالب منهما. وكذلك قوى الأدوية والأمراض. والعبدُ يكون فيه مقتضٍ للصِّحّة ومقتضٍ للعطَب، وأحدُهما يمنع كمالَ تأثير الآخر ويقاومه، فإذا ترجَّح عليه وقَهرَه كان التّأثيرُ له.
ومن هاهنا يُعلَم انقسامُ الخلق إلى من يدخل الجنَّةَ ولا يدخل النَّارَ وعكسه، ومن يدخل النَّارَ ثمّ يخرُج منها ويكون مَكْثُه فيها بحسب ما فيه من مقتضي المَكْثِ في سرعة الخروج وبطئه.
ومن له بصيرةٌ منوَّرةٌ يرى بها كلَّ ما أخبر الله به في كتابه من أمر المعاد وتفاصيله حتَّى كأنَّه يشاهدُه رأيَ عينٍ، ويعلَمُ أنَّ هذا هو مقتضى إلهيَّته سبحانه وربوبيَّته وعزَّته وحكمته، وأنّه يستحيل عليه خلافُ ذلك، ونسبةُ خلاف ذلك إليه نسبةُ ما لا يليق به إليه. فيكون نسبةُ ذلك إلى بصيرته كنسبة الشَّمس والنُّجوم إلى بصره. وهذا يقينُ الإيمان، وهو الذي يُحرق السَّيِّئاتِ كما تُحرق النَّارُ الحطب.
وصاحبُ هذا المقام من الإيمان يستحيل إصرارُه على السَّيِّئات وإن وقعت منه وكثرت، فإنَّ ما معه من نور الإيمان يأمرُه بتجديد التَّوبة كلَّ وقتٍ والرُّجوعِ إلى الله بعدد أنفاسه. وهذا من أحبِّ الخلق إلى الله تعالى.
فهذه مجامعُ طرق النّاس في نصوص الوعيد.
(١) يعني هيجانها وغليانها. وفي ل، ج، ش: "نفيها"، تصحيف.