مدارج السالكين

يَسقط حقُّه ولم١ يُسقطه؟ فإن قلتم: يَسقط، فباطلٌ لأنَّه لم يرض بإسقاطه، وإن٢ قلتم: لا يَسقط، فكيف تُسقطونه إذا اقتُصَّ منه مع عدم العلم برضا المقتول بإسقاط حقِّه؟

وهذه حججٌ كما ترى في القوَّة لا تندفع إلَّا بأقوى منها أو أمثالها.

فالصّواب ــ والله أعلم ــ أن يقال: إذا تاب القاتل من حقِّ الله، وسلَّم نفسه طوعًا إلى الوارث يستوفي منه حقَّ موروثه٣ سقط عنه الحقَّان، وبقي حقُّ الموروث لا يضيِّعه الله، ويجعل من تمام مغفرته للقاتل تعويضَ المقتول، فإن مصيبته لم تنجبر بقتل قاتله، والتَّوبةُ النَّصوح تهدم ما قبلها، فيعوِّض هذا عن مظلمته، ولا يعاقِب هذا لكمال توبته. وصار هذا كالكافر المحارب لله ورسوله إذا قتل مسلمًا في الصفِّ ثمَّ أسلم وحسُن إسلامه، فإنَّ الله سبحانه يعوِّض الشَّهيد المقتول٤، ويغفر للكافر بإسلامه ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلمًا، فإنَّ هدم التوبة لما قبلها كهدم الإسلام لما قبله.

وعلى هذا إذا أسلم٥ نفسه وانقاد، فعفا عنه الوليُّ، وتاب القاتل توبةً نصوحًا= فالله تعالى يقبل توبته ويعوِّض المقتول.

فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهادُه، والحكم بعد ذلك لله ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل: ٧٨]، والله أعلم.

  1. (١) ل، ج: "أو لم"، خطأ.
  2. (٢) ج: "وإنما"، خطأ.
  3. (٣) ل، ش، ج: "مورثه".
  4. (٤) ع: "هذا الشهيد المقتول".
  5. (٥) ش، ج، ع: "سلَّم".
610

فصل في مشاهد الخلق في المعصية

وهي اثنا عشر١ مشهدًا: مشهد الحيوانيَّة وقضاء الشهوة، ومشهد اقتضاء رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة، ومشهد الجبر، ومشهد القدر، ومشهد الحكمة، ومشهد التوفيق والخذلان، ومشهد التوحيد، ومشهد الأسماء والصِّفات، ومشهد الإيمان وتعدُّد شواهده، ومشهد العجز والضَّعف، ومشهد الذُّلِّ والافتقار، ومشهد المحبَّة والعبوديَّة؛ فالأربعة الأُولى للمنحرفين، والثمانية البواقي لأهل الاستقامة، وأعلاها المشهد العاشر٢.

وهذا الفصل من أجلِّ فصول الكتاب وأنفعها لكلِّ أحدٍ، وهو حقيقٌ بأن تُثنى عليه الخناصر، ولعلَّك لا تظفر به في كتابٍ سواه إلَّا ما ذكرناه في كتابنا المسمّى بـ «سفر الهجرتين وطريق٣ السَّعادتين»٤.

  1. (١) ع، المطبوعات: «ثلاثة عشر». والمثبت من سائر النسخ يوافق عدد المشاهد المذكورة هنا، ويؤيده قول المؤلف عقبها: «فالأربعة الأولى ... والثمانية البواقي ...». وزِيد في المطبوعات بعد مشهد الإيمان وتعدُّد شواهده: «مشهد الرحمة»، ولم يذكره المؤلف هنا وإنما ذكره عند شرح هذه المشاهد (ص ٤٤).
  2. (٢) وهو مشهد العجز والضعف. وفي عامة المطبوعات العاشر هو المقحَم: مشهد الرحمة. وفي «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٨١٠) أن مشهد الحكمة ومشهد الأسماء والصفات هما «أجلُّ هذه المشاهد وأشرفها وأرفعها قدرًا، وهما لخواصِّ الخليقة».
  3. (٣) ع: «في طريق».
  4. (٤) وهو «طريق الهجرتين وباب السعادتين»، ذكر فيه سبعة مشاهد (١/ ٣٥٠ - ٣٧٢) مع أنه قال في مطلعها: «وجماع ذلك ثمانية مشاهد». وأورد الثمانية باختصار في «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٨٠٨ - ٨١٠) ثم فصَّل في مشهد الحكمة فذكر إحدى وثلاثين حكمةً في قضاء الله وتخليته بين العبد وبين الذنب.
3

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي