مدارج السالكين

فصل في مشاهد الخلق في المعصية

وهي اثنا عشر١ مشهدًا: مشهد الحيوانيَّة وقضاء الشهوة، ومشهد اقتضاء رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة، ومشهد الجبر، ومشهد القدر، ومشهد الحكمة، ومشهد التوفيق والخذلان، ومشهد التوحيد، ومشهد الأسماء والصِّفات، ومشهد الإيمان وتعدُّد شواهده، ومشهد العجز والضَّعف، ومشهد الذُّلِّ والافتقار، ومشهد المحبَّة والعبوديَّة؛ فالأربعة الأُولى للمنحرفين، والثمانية البواقي لأهل الاستقامة، وأعلاها المشهد العاشر٢.

وهذا الفصل من أجلِّ فصول الكتاب وأنفعها لكلِّ أحدٍ، وهو حقيقٌ بأن تُثنى عليه الخناصر، ولعلَّك لا تظفر به في كتابٍ سواه إلَّا ما ذكرناه في كتابنا المسمّى بـ «سفر الهجرتين وطريق٣ السَّعادتين»٤.

  1. (١) ع، المطبوعات: «ثلاثة عشر». والمثبت من سائر النسخ يوافق عدد المشاهد المذكورة هنا، ويؤيده قول المؤلف عقبها: «فالأربعة الأولى ... والثمانية البواقي ...». وزِيد في المطبوعات بعد مشهد الإيمان وتعدُّد شواهده: «مشهد الرحمة»، ولم يذكره المؤلف هنا وإنما ذكره عند شرح هذه المشاهد (ص ٤٤).
  2. (٢) وهو مشهد العجز والضعف. وفي عامة المطبوعات العاشر هو المقحَم: مشهد الرحمة. وفي «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٨١٠) أن مشهد الحكمة ومشهد الأسماء والصفات هما «أجلُّ هذه المشاهد وأشرفها وأرفعها قدرًا، وهما لخواصِّ الخليقة».
  3. (٣) ع: «في طريق».
  4. (٤) وهو «طريق الهجرتين وباب السعادتين»، ذكر فيه سبعة مشاهد (١/ ٣٥٠ - ٣٧٢) مع أنه قال في مطلعها: «وجماع ذلك ثمانية مشاهد». وأورد الثمانية باختصار في «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٨٠٨ - ٨١٠) ثم فصَّل في مشهد الحكمة فذكر إحدى وثلاثين حكمةً في قضاء الله وتخليته بين العبد وبين الذنب.
3

فصل

فأمَّا مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة، فمشهد الجهَّال الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان إلَّا في اعتدال القامة ونطق اللِّسان، ليس همُّهم١ إلّا مجرَّد نيلِ الشَّهوة بأيِّ طريقٍ أفضت إليها، فهؤلاء نفوسهم نفوسٌ حيوانيَّةٌ لم تترقَّ عنها إلى درجة الإنسانيَّة فضلًا عن درجة الملائكة٢، فهؤلاء حالهم أخسُّ من أن يُذكَر، وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها.

فمنهم مَن نفسه كلبيَّة: لو صادف جيفةً تُشبع ألفَ كلبٍ لوقع عليها وحَماها من سائر الكلاب ونبح كلَّ كلبٍ٣ يدنو منها، فلا تقربها الكلابُ إلَّا على كُرهٍ منه وغلبةٍ، ولا يسمح لكلبٍ بشيءٍ منها؛ وهمُّه شبع بطنه من أي طعامٍ اتَّفق: ميتةٍ أو ذكيٍّ٤، خبيثٍ أو طيِّبٍ، ولا يستحيي من قبيحٍ؛ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، إن أطعمتَه بصبص بذَنَبه ودار حولك، وإن منعته هرَّك ونبحك.

ومنهم من نفسه حماريَّة: لم يُخلَق إلَّا للكدِّ والعلف، كلّما زيد في٥ علفه زيد في كدِّه، أبكم الحيوان وأقلُّه بصيرةً، ولهذا مثَّل الله سبحانه به من

  1. (١) ج، ن: «همَّتهم». ش، ع: «هممهم».
  2. (٢) ج: «الملكيَّة».
  3. (٣) كذا في الأصل، ل، ع. وفي سائر النسخ: «على كلِّ كلب». والمثبت موافق لأسلوب المؤلف حيث قال فيما يأتي: «نبحك».
  4. (٤) ع: «مذكًّى».
  5. (٥) ساقطة من م.
4

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي