مدارج السالكين

فصل

فأمَّا مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة، فمشهد الجهَّال الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان إلَّا في اعتدال القامة ونطق اللِّسان، ليس همُّهم١ إلّا مجرَّد نيلِ الشَّهوة بأيِّ طريقٍ أفضت إليها، فهؤلاء نفوسهم نفوسٌ حيوانيَّةٌ لم تترقَّ عنها إلى درجة الإنسانيَّة فضلًا عن درجة الملائكة٢، فهؤلاء حالهم أخسُّ من أن يُذكَر، وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها.

فمنهم مَن نفسه كلبيَّة: لو صادف جيفةً تُشبع ألفَ كلبٍ لوقع عليها وحَماها من سائر الكلاب ونبح كلَّ كلبٍ٣ يدنو منها، فلا تقربها الكلابُ إلَّا على كُرهٍ منه وغلبةٍ، ولا يسمح لكلبٍ بشيءٍ منها؛ وهمُّه شبع بطنه من أي طعامٍ اتَّفق: ميتةٍ أو ذكيٍّ٤، خبيثٍ أو طيِّبٍ، ولا يستحيي من قبيحٍ؛ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، إن أطعمتَه بصبص بذَنَبه ودار حولك، وإن منعته هرَّك ونبحك.

ومنهم من نفسه حماريَّة: لم يُخلَق إلَّا للكدِّ والعلف، كلّما زيد في٥ علفه زيد في كدِّه، أبكم الحيوان وأقلُّه بصيرةً، ولهذا مثَّل الله سبحانه به من

  1. (١) ج، ن: «همَّتهم». ش، ع: «هممهم».
  2. (٢) ج: «الملكيَّة».
  3. (٣) كذا في الأصل، ل، ع. وفي سائر النسخ: «على كلِّ كلب». والمثبت موافق لأسلوب المؤلف حيث قال فيما يأتي: «نبحك».
  4. (٤) ع: «مذكًّى».
  5. (٥) ساقطة من م.
4

حَمَّله كتابَه فلم يَحْمِله١ معرفةً ولا فقهًا ولا عملًا، ومثَّل بالكلب عالمَ السُّوء الذي آتاه٢ آياتِه فانسلخ منها وأخلد إلى الأرض واتّبع هواه٣. وفي هذين المثلَين أسرار عظيمة ليس هذا موضع ذكرها.

ومنهم من نفسه سَبُعيَّة غضبيَّة: همُّه العدوان على النَّاس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته؛ طبيعته تتقاضى ذلك٤ كتقاضي طبيعة السَّبُع لما يصدر منه.

ومنهم من نفسه فأريَّة: فاسق بطبعه، مفسدٌ لما جاوره، تسبيحه بلسان الحال: سبحان من خلقه للفساد.

ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السُّموم والحُمَات٥، كالحيَّة والعقرب وغيرهما. وهذا الضَّرب هو الذي يؤذي بعينه، فيُدخل الرّجلَ القبرَ والجَمَل القِدْر٦.

  1. (١) ع: «فلم يعرفه»، خطأ.
  2. (٢) ع: «آتاه الله».
  3. (٣) الأول في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية [الجمعة: ٥]، والثاني في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ...﴾ الآيات [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧].
  4. (٤) في الأصل وغيره: «طبيعته تتقاضاه، وذلك». ولعل المثبت من ع أقرب.
  5. (٥) جمع الحُمَة بتخفيف الميم، وهي سمُّ كلِّ شيءٍ يلدغ ويلسع.
  6. (٦) روي ذلك مرفوعًا بلفظ: «إن العين لتُدخل الرجل القبر والجمل القدر»، وهو حديث واهٍ لا يثبت. أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٩/ ٦٨٢) وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٩٠) والقُضاعي في «مسند الشهاب» (١٠٥٧، ١٠٥٨) من طريق شُعيب بن أيوب الصَّرِيفيني، عن معاوية بن هشام، عن سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁. قال ابن كثير في «تفسيره» (القلم: ٥١): «هذا إسناد رجاله كلهم ثقات»، وحسَّنه الألباني في «الصحيحة» (١٢٤٩). ولكنه معلول، فإن شعيبًا ومعاوية ليسا بذاك ولا يُحتَمل تفرُّدهما عن الثوري بمثله، ولذا قال أبو نعيم: «غريب من حديث الثوري، تفرَّد به معاوية». والحديث إنما يُعرف من رواية علي بن أبي علي الهاشمي عن ابن المنكدر به، كما عند ابن عدي (٨/ ٨٨) والقضاعي (١٠٥٩) وغيرهما. وعليٌّ هذا متروك منكر الحديث. وانظر: «تاريخ بغداد» (١٠/ ٣٣٧) و«المقاصد الحسنة» (٧٢٦).
5

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي