مدارج السالكين

وإذا عُرِف الرجل بالأذى بالعين ساغ بل وجب حبسُه وإفراده عن الناس، ويُطعَم ويسقى حتى يموت. ذكر ذلك غير واحدٍ من الفقهاء١، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلافٌ، لأنَّ هذا من نصيحة المسلمين ودفع الأذى عنهم، ولو قيل فيه غير ذلك لم يكن بعيدًا من أصول الشَّرع.

فإن قيل: فهل تُقيدون منه إذا قتل بعَينه؟

قيل: إن كان ذلك بغير اختياره بل غلب على نفسه لم يُقتصَّ منه وعليه الدِّية، وإن عمد٢ ذلك وقَدَر على ردِّه وعَلِم أنَّه يقتل به ساغ للوليِّ أن يقتله بمثل ما قتل به، فيَعينه إن شاء كما عان هو المقتول. وأمَّا قتله بالسَّيف قصاصًا فلا، لأنَّ هذا ليس ممَّا يقتل غالبًا ولا هو مماثلٌ لجنايته.

وسألت شيخنا أبا العبَّاس ابن تيميّة ــ قدَّس الله روحه ــ عن القتل بالحال هل يوجب القصاص؟ فقال: للوليِّ أن يقتله بالحال كما قتل به.

فإن قيل: فما الفرق بين هذا٣ وبين القتل بالسِّحر حيث توجبون القصاص به بالسَّيف؟

قلنا: الفرق من وجهين:

أحدهما: أنَّ السِّحر الذي يُقتَل به هو السِّحر الذي٤ يَقتل مثله غالبًا، ولا ريب أنَّ هذا كثيرٌ في السِّحر، وفيه مقالات وأبوابٌ معروفة للقتل عند أربابه.

  1. (١) انظر: «الفروع» لابن مفلح (١٠/ ١١٥).
  2. (٢) ع: «تعمَّد». ج، ن: «عمل»، تصحيف.
  3. (٣) ع: «القتل بهذا». ش: «هذا وهذا»، خطأ.
  4. (٤) «يُقتل به هو السحر الذي» من ع، ولا يستقيم السياق إلا به، ولعله سقط من أصل سائر النسخ بانتقال النظر.
7

الثاني: أنَّه لا يمكن أن يُقتصَّ منه بمثل ما فعل لكونه محرَّمًا لحقِّ الله، فهو كما لو قتله باللِّواط وتجريع الخمر، فإنَّه يقتصُّ منه بالسَّيف.

وليس هذا موضع ذكر هذه المسائل، وإنّما ذُكِرت لما ذَكرنا أنَّ من النُّفوس البشريّة ما هي على نفوس الحيوانات العادية وغيرها. وهذا هو تأويل سفيان بن عُيَينة في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]١.

وعلى هذا الشَّبه اعتمادُ أهل التّعبير للرُّؤيا في رؤية هذه الحيوانات في المنام عند الإنسان أو في داره، أو أنها تحاربه٢. وهو كما اعتمدوه، وقد وقع لنا ولغيرنا من ذلك في المنام وقائع كثيرة فكان تأويلها مطابقًا لأقوامٍ على٣ طباع تلك الحيوانات.

وقد رأى النبيُّ ﷺ في قصَّة أُحُدٍ بقرًا تُنحَر٤، فكان ما أصيب من

  1. (١) أسنده الخطابيُّ في «العزلة» (ص ١٥٩) ــ ومن طريقه الواحدي في «البسيط» (٨/ ١٦) ــ عن محمد بن عبيد الله العُتْبي قال: كنا عند ابن عيينة فتلا هذه الآية وقال: «ما في الأرض آدمي إلا وفيه شَبَه من شبه البهائم، فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوَّس كفعل الطاوس، ومنهم من يشبه الخنازير التي لو أُلقي لها الطعامُ الطيب عافَتْه، فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه، فكذلك تجد من الآدميين مَن لو سمع خمسين حكمةً لم يتحفَّظ واحدة منها، وإن أخطأ رجل أو حكى خطأ غيره تروَّاه وحفظه».
  2. (٢) انظر: «البدر المنير في علم التعبير» للشهاب العابر المقدسي (ص ٢٧٥ وما بعدها).
  3. (٣) غير محرّرة في الأصل، تشبه «في». في ج، ن: «عن» ثم أصلح في الأول إلى المثبت.
  4. (٤) أُري النبي ﷺ ذلك مرَّتين: مرّة قبل الهجرة كما في حديث أبي موسى عند البخاري (٣٦٢٢) ومسلم (٢٢٧٢) إلا أنه لم يُصرَّح فيه بأنه ﷺ رآها تُنحَر، ومرَّة قُبيل وقعة أُحُد كما في حديث ابن عباس عند أحمد (٢٤٤٥) والحاكم (٢/ ١٢٩) والضياء في «المختارة» (١١/ ١٢٦) بإسناد جيّد. وله شاهد حسن من حديث أبي الزبير عن جابر عند أحمد (١٤٧٨٧) والدارمي (٢٢٠٥) والنسائي في «الكبرى» (٦٧٠٠).
8

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي