مدارج السالكين

ومنهم من هو على طبيعة الطَّاوس: ليس إلَّا١ التَّطوُّس والتزيُّن بالرِّيش، وما٢ وراء ذلك شيءٌ.

ومنهم من هو٣ على طبيعة الجمل: أحقد الحيوان وأغلظه كبدًا٤.

ومنهم على٥ طبيعة الدُّبِّ٦: أبلَمُ٧ خبيث، وعلى طبيعة القرد.

وأحمد طبائع الحيوانات: طبائع٨ الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسًا وأكرمها طباعًا، وكذلك الغنم.

وكلُّ من ألف ضربًا من ضروب هذه الحيوانات اكتسب من طبعه وخلقه، فإن تغذَّى بلحمه كان الشّبه أقوى، فإنَّ الغاذي شبيهٌ بالمغتذي، ولهذا حرّم الله أكل لحوم السِّباع وجوارح الطَّير لِما تورث آكِلَها من شبه نفوسها بها، والله أعلم.

  1. (١) ش: «ليس له إلا». وكذا في طبعتي الفقي والصميعي.
  2. (٢) ج، ن: «وليس».
  3. (٣) ج، ن: «طبيعته».
  4. (٤) السياق في ج، ن: «أغلظ الحيوان كبدًا وأحقد الحيوان».
  5. (٥) م، ع: «ومنهم مَن هو على».
  6. (٦) ج، ن: «الذئب»، تحريف.
  7. (٧) كذا في النسخ، ويحتمل أن يُقرأ: «أبكم» كما في طبعة الفقي. والأبلم في الأصل: الغليظ الشفتين، ولكنه صار يستعمل بمعنى البليد، ففي «الزواجر» للهيتمي (١/ ٣٥٨) في ذكر مضارِّ الحشيشة: «تجعل الفصيح أبكم، والذكيَّ أبلم». وانظر: «تكملة المعاجم» لدوزي (١/ ٤٣٧، ٤٣٨).
  8. (٨) ج، ن: «طبيعة».
10

والمقصود: أنَّ أصحاب هذا المشهد ليس لهم شهودٌ سوى ميل نفوسهم وشهوتهم، لا يعرفون ما وراء ذلك البتَّة.

فصل

المشهد الثَّاني: مشهد رسوم الطَّبيعة ولوازم الخلقة، كمشهد زنادقة الفلاسفة والأطبَّاء الذين يشهدون أنَّ ذلك من لوازم الخلقة والطبيعة الإنسانيَّة، وأنّ تركيب الإنسان من الطَّبائع الأربع وامتزاجها واختلاطها كما يقتضي بغيَ بعضها على بعضٍ وخروجَه١ عن الاعتدال بحسب اختلاف هذه الأخلاط، فكذلك تركيبُه من البدن والنَّفس والطَّبيعة الحيوانيّة٢ يتقاضاه٣ أثَرَ هذه الخلقةِ ورسومَ تلك الطَّبيعة، ولا تنقهر له إلّا بقاهرٍ، إمَّا من نفسه وإمَّا من خارجٍ عنه، وأكثر النَّوع الإنساني ليس له قاهرٌ من نفسه، فاحتياجه إلى قاهرٍ فوقه يُدخله تحت سياسةٍ وإيالةٍ٤ ينتظم بها أمرُه ضروريَّةٌ٥، كحاجته إلى مصالحه من الطَّعام والشَّراب واللِّباس.

وعند هؤلاء أنَّ العاقل متى كان له وازعٌ من نفسه قاهرٌ لم يحتَجْ إلى أمر غيره ونهيه وضبطه.

  1. (١) ج، ن: «خروجها».
  2. (٢) «الحيوانية» ساقط من ج، ن، ع.
  3. (٣) أي: يتقاضى الإنسانَ، أي: يقتضي منه.
  4. (٤) الإيالة: السياسة والرعاية، تقول: آلَ الملِك رعيَّتَه يؤولهم إيالًا وإيالةً، إذا ساسهم وأحسن رعايتهم.
  5. (٥) خبر «فاحتياجه»، ولعله أنَّثه على توهُّم أن المبتدأ: «فحاجته».
11

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي