مدارج السالكين

فمشهد هؤلاء من حركات النفس الاختيارية الموجِبة للجنايات كمشهدهم من حركات الطبيعة الاضطرارية الموجِبة للتغيُّرات١، وليس لهم مشهدٌ وراء ذلك.

فصل

المشهد الثالث: مشهد أصحاب الجبر، وهم الذين يشهدون أنهم مُجبَرون٢ على أفعالهم، وأنها واقعة بغير قدرتهم، بل لا يشهدون أنها أفعالهم البتَّة، ويقولون: إنَّ أحدهم غير فاعلٍ في الحقيقة ولا قادرٍ، وأنَّ الفاعل فيه غيرُه والمحرِّك له سواه، وأنَّه آلة محضة، وحركاته بمنزلة هبوب الرِّياح وحركات الأشجار.

وهؤلاء إذا أنكرت عليهم أفعالهم احتجُّوا بالقدر وحملوا ذنوبهم عليه، وقد يغلون في ذلك حتى يروا أفعالَهم كلَّها طاعاتٍ، خيرَها وشرَّها، لموافقتها المشيئةَ والقدر، ويقولون: كما أنَّ موافقة الأمر طاعة، فموافقة المشيئة٣ طاعة، كما حكى الله تعالى عن المشركين إخوانِهم أنَّهم جعلوا مشيئته٤ تعالى لأفعالهم دليلًا على أمره بها ورضاه بها٥. وهؤلاء شرٌّ من

  1. (١) ع: «للتغييرات».
  2. (٢) ج، ن، ع: «مجبورون».
  3. (٣) ج، ن: «الأمر»، خطأ.
  4. (٤) ع: «مشيئة الله».
  5. (٥) وذلك في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٣٥].
12

القدريَّة النُّفاة، وأشدُّ عداوةً لله ومناقضةً لكتبه ورسله ودينه.

حتَّى إنَّ من هؤلاء من يعتذر عن إبليس ــ لعنه الله ــ ويتوجَّع له ويقيم عذره بجهده، وينسب ربَّه تعالى إلى ظلمه بلسان الحال والقال، ويقول١: ما ذنبه وقد صان وجهه عن السُّجود لغير خالقه، وقد وافق حكمه ومشيئته فيه وإرادته منه؟ ثمّ كيف يمكنه السُّجود وهو الذي منعه منه وحال بينه وبينه؟ وهل كان في ترك السُّجود لغيرك٢ إلَّا محسنًا؟ ولكن:

إذا كان المحبُّ قليل حظٍّفما حسناته إلَّا ذنوبُ٣

وهؤلاء أعداء الله حقًّا، وأولياء إبليس وأحبابه٤ وإخوانه، وإذا ناح منهم نائحٌ على إبليس رأيت من البُكاء والخَنِين٥ أمرًا عجبًا٦، ورأيت من تظلُّمِ الأقدار واتِّهام الجبَّار ما يبدو على فلتات ألسنتهم وصفحات وجوههم، وتسمع من أحدهم من التظلُّم والتوجُّع ما تسمعه من الخصم المغلوب العاجز عن خصمه، فهؤلاء هم الذين قال فيهم شيخ الإسلام في تائيَّته٧:

  1. (١) ش: «ويقولون».
  2. (٢) ج، ن: «لغيره». ع: «لغير الله».
  3. (٣) سبق تخريجه (١/ ٢٩٤).
  4. (٤) ع: «أحباؤه».
  5. (٥) الخَنِين بالخاء المعجمة: كالبُكاء في الأنف، كما جاء في هامش الأصل ول نقلًا عن «الصحاح» للجوهري (٥/ ٢١٠٩). وتصحّف في سائر النسخ الخطية والمطبوعة إلى: «الحنين» بالحاء المهملة.
  6. (٦) ش، ج، ن، ع: «عجيبًا».
  7. (٧) التي أجاب فيها سؤالًا نُظم على لسان ذمِّي ينكر القدر. وهي في «مجموع الفتاوى» (٨/ ٢٤٥ - ٢٥٥)، وقد طبعت مفردة عدَّة طبعات.
13

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي