مدارج السالكين

والشيطان قد رضي منهم بهذا القدر، فلا يؤزُّهم إلى المعاصي ذلك الأزَّ، ولا يزعجهم إليها ذلك الإزعاج، وله في ذلك غرضان مهمّان:

أحدهما: أن يقرِّر في قلوبهم صحَّة هذا المشهد١ وهذه العقيدة، وأنّكم تاركون للذُّنوب والكبائر التي يقع فيها أهل السُّنَّة، فدلَّ على أنّ الأمر مفوَّضٌ إليكم، واقعٌ بكم، وأنَّكم العاصمون لأنفسكم المانعون لها من المعصية.

الغرض الثاني: أنّه٢ يصطاد على أيديهم الجُهَّال، فإذا رأوهم أهل عبادةٍ وزهادةٍ وتورُّعٍ عن المعاصي وتعظيمٍ لها قالوا: هؤلاء هم أهل الحقِّ.

والبدعة عنده آثر وأحبُّ إليه من المعصية، فإذا ظفر بها منهم واصطاد الجهَّال على أيديهم، كيف يأمرهم بالمعصية؟ بل ينهاهم عنها ويقبِّحها في أعينهم وقلوبهم.

ولا يكشف هذه الحقائق إلَّا أرباب البصائر.

فصل

المشهد الخامس ــ وهو أحد مشاهد أهل الاستقامة ــ: مشهد الحكمة، وهو مشهد حكمة الله في تقديره على عبده ما يبغضه سبحانه ويكرهه، ويلوم ويعاقب عليه، وأنّه لو شاء لعصمه منه ولحال بينه وبينه، وأنّه سبحانه لا يعصى قسرًا، وأنّه لا يكون في العالم شيءٌ إلَّا بمشيئته؛ ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ٥٤﴾ [الأعراف: ٥٤].

  1. (١) م، ش: «الشبهة»، تصحيف.
  2. (٢) م، ج، ن: «أن».
15

وهؤلاء يشهدون أنّ الله سبحانه لم يخلق شيئًا عبثًا ولا سُدًى، وأنَّ له الحكمةَ البالغة في كلِّ ما قدّره وقضاه من خيرٍ وشرٍّ وطاعةٍ ومعصيةٍ، حكمةً باهرةً تعجِز العقول عن الإحاطة بكنهها وتَكِلُّ الألسُنُ عن التَّعبير عنها؛ فمصدر قضائه وقدره لِما يُبغضه ويَسخطه اسمه «الحكيم» الذي بهرت حكمته الألباب.

وقد قال تعالى لملائكته لمَّا قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فأجابهم سبحانه بقوله: ﴿إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فلله سبحانه في ظهور المعاصي والذُّنوب والجرائم وترتُّب آثارها عليها من الآيات والحِكَم، وأنواع التعرُّفات إلى خلقه، وتنويع آياته، ودلائل ربوبيَّته ووحدانيَّته وإلهيَّته وحكمته وعزَّته وتمامِ ملكه وكمالِ قدرته وإحاطةِ علمه= ما يشهده أولو البصائر عيانًا ببصائر قلوبهم، فيقولون: ربّنا ما خلقت هذا باطلًا، إن هي إلّا حكمتك الباهرة وآياتك الظاهرة.

ولله في كلِّ تحريكةٍوتسكينةٍ أبدًا شاهدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌتدلُّ على أنّه واحدُ١

فكم من آيةٍ في الأرض٢ بيِّنةٍ دالَّةٍ على الله، وعلى صدق رسله، وعلى أنّ لقاءه حقٌّ = كان سببُها معاصيَ بني آدم وذنوبَهم، كآيته٣ في إغراق قوم نوحٍ، وعلوِّ الماء على رؤوس الجبال حتَّى أغرق جميع أهل الأرض ونجا

  1. (١) البيتان لأبي العتاهية في «ديوانه» (ص ١٠٢ - ١٠٤) تحقيق شكري فيصل.
  2. (٢) م: «فكم في الأرض من آية».
  3. (٣) «كآيته» ساقط من ج، ن.
16

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي