مدارج السالكين

أولياؤه١ وأهلُ معرفته وتوحيده، فكم في ذلك من آيةٍ وعبرةٍ ودلالةٍ باقيةٍ على ممرِّ الدُّهور؟! وكذلك إهلاك٢ قوم عادٍ وثمود.

وكم له آية في فرعون وقومه من حين بعث موسى إليهم ــ بل قبل مبعثه ــ إلى حين إغراقهم؛ لولا معاصيهم وكفرهم لم تظهر تلك الآيات والعجائب. وفي التوراة٣: أنّ الله تعالى قال لموسى: «اذهب إلى فرعون فإنِّي سأقسِّي قلبه وأمنعه عن الإيمان لأُظهر٤ آياتي وعجائبي بمصر». وكذلك فعل سبحانه، فأظهر من آياته وعجائبه بسبب ذنوب فرعون وقومه ما أظهر.

وكذلك إظهاره سبحانه ما أظهر من جعل النَّار بردًا وسلامًا على إبراهيم بسبب ذنوب قومه ومعاصيهم وإلقائهم له٥ في النَّار، حتّى صارت تلك آيةً، وحتّى نال إبراهيم بها ما نال من كمال الخُلَّة.

وكذلك ما حصل للرُّسل من الكرامة والمنزلة٦ والزُّلفى عند الله تعالى والوجاهة عنده بسبب صبرهم على أذى قومهم وعلى محاربتهم لهم ومعاداتهم.

وكذلك اتِّخاذ الله تعالى الشُّهداء والأولياء والأصفياء من بني آدم بسبب

  1. (١) كذا في الأصل ول، ومقتضى الرسم في سائر النسخ. «ونجَّى أولياءَه».
  2. (٢) ش: «هلاك».
  3. (٣) سفر الخروج: الإصحاح السابع (١ - ٣). ونحوه أيضًا في الإصحاحَين العاشر (١ - ٢) والحادي عشر (٩) منه.
  4. (٤) م: «وأظهر»، تصحيف.
  5. (٥) «له» سقطت من م.
  6. (٦) «والمنزلة» ساقط من م.
17

صبرهم على أذى أهل المعاصي١ والظُّلم، ومجاهدتهم في الله، وتحمُّلِهم لأجله من أعدائه ما هو بعينه وعلمه، واستحقاقِهم بذلك رفعة الدّرجات.

إلى غير ذلك من المصالح والحكم التي وجدت بسبب ظهور المعاصي والجرائم، وكان من سببها تقدير ما يبغضه الله ويسخطه. وكان ذلك محض الحكمة لما يترتَّب عليه ممَّا هو أحبُّ إليه وآثر عنده من فوته بتقدير عدم المعصية، فحصول هذا المحبوب العظيم أحبُّ إليه من فوات ذلك المبغوض المسخوط، فإنَّ فواته وعدمه وإن كان محبوبًا له لكنَّ حصول هذا المحبوب الذي لم يكن يحصل بدون وجود ذلك المبغوض= أحبُّ إليه، وفوات هذا المحبوب أكرَه إليه من فوات٢ ذلك المكروه المسخوط، وكمال حكمته يقتضي حصولَ أحبِّ الأمرين إليه بفوات أدنى المحبوبين، وأن لا يُعطَّل هذا الأحبُّ بتعطيل ذلك المكروه.

وفرض الذِّهن وجودَ هذا بدون هذا كفرضه وجود المسبَّبات بدون أسبابها والملزومات بدون لوازمها، ممَّا تمنعه حكمة الله وكمال قدرته وربوبيَّته.

ويكفي من هذا مثال واحد، وهو أنَّه لولا المعصية من أبي البشر بأكل الشجرة٣ لما ترتَّب على ذلك ما ترتَّب من وجود هذه المحبوبات العظام للربِّ تعالى، من امتحان خلقه وتكليفهم، وإرسال رسله، وإنزال كتبه، وإظهار آياته وعجائبه وتنويعها وتصريفها، وإكرام أوليائه، وإهانة أعدائه،

  1. (١) ع: «أذى بني آدم من أهل المعاصي».
  2. (٢) كذا في جميع النسخ والمطبوعات، والسياق يقتضي: «حصول».
  3. (٣) ع: «بأكله من الشجرة».
18

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي