صبرهم على أذى أهل المعاصي١ والظُّلم، ومجاهدتهم في الله، وتحمُّلِهم لأجله من أعدائه ما هو بعينه وعلمه، واستحقاقِهم بذلك رفعة الدّرجات.
إلى غير ذلك من المصالح والحكم التي وجدت بسبب ظهور المعاصي والجرائم، وكان من سببها تقدير ما يبغضه الله ويسخطه. وكان ذلك محض الحكمة لما يترتَّب عليه ممَّا هو أحبُّ إليه وآثر عنده من فوته بتقدير عدم المعصية، فحصول هذا المحبوب العظيم أحبُّ إليه من فوات ذلك المبغوض المسخوط، فإنَّ فواته وعدمه وإن كان محبوبًا له لكنَّ حصول هذا المحبوب الذي لم يكن يحصل بدون وجود ذلك المبغوض= أحبُّ إليه، وفوات هذا المحبوب أكرَه إليه من فوات٢ ذلك المكروه المسخوط، وكمال حكمته يقتضي حصولَ أحبِّ الأمرين إليه بفوات أدنى المحبوبين، وأن لا يُعطَّل هذا الأحبُّ بتعطيل ذلك المكروه.
وفرض الذِّهن وجودَ هذا بدون هذا كفرضه وجود المسبَّبات بدون أسبابها والملزومات بدون لوازمها، ممَّا تمنعه حكمة الله وكمال قدرته وربوبيَّته.
ويكفي من هذا مثال واحد، وهو أنَّه لولا المعصية من أبي البشر بأكل الشجرة٣ لما ترتَّب على ذلك ما ترتَّب من وجود هذه المحبوبات العظام للربِّ تعالى، من امتحان خلقه وتكليفهم، وإرسال رسله، وإنزال كتبه، وإظهار آياته وعجائبه وتنويعها وتصريفها، وإكرام أوليائه، وإهانة أعدائه،
(١) ع: «أذى بني آدم من أهل المعاصي».
(٢) كذا في جميع النسخ والمطبوعات، والسياق يقتضي: «حصول».
(٣) ع: «بأكله من الشجرة».
وظهور عدله وفضله، وعزَّته وانتقامه، وعفوه ومغفرته، وصفحه وحلمه، وظهور من يعبده ويحبُّه ويقوم بمراضيه بين أعدائه في دار الابتلاء والامتحان.
فلو قُدِّر أنَّ آدم لم يأكل من الشجرة ولم يخرج من الجنَّة هو ولا أولاده لم يكن شيءٌ من ذلك، ولا ظهر من القوَّة إلى الفعل ما كان كامنًا في قلب إبليس يعلمه الله ولا تعلمه الملائكة، ولم يتميَّز خبيث الخلق من طيِّبه، ولم تتمّ المملكة حيث لم يكن هناك إكرامٌ وثواب، وعقوبة وإهانة، ودارُ سعادةٍ وفضلٍ، ودار شقاوةٍ وعدلٍ.
وكم في تسليط أوليائه على أعدائه، وتسليط أعدائه على أوليائه، والجمع بينهما في دارٍ واحدةٍ، وابتلاء بعضهم ببعضٍ= من حكمةٍ بالغةٍ، ونعمةٍ سابغةٍ!
وكم في طَيِّها من حصول محبوبٍ للرّبِّ، وحمدٍ له من أهل سماواته وأرضه، وخضوعٍ له وتذلُّلٍ، وتعبُّدٍ وخشيةٍ وافتقارٍ إليه، وانكسارٍ بين يديه أن لا يجعلهم من أعدائه، إذ هم يشاهدونهم ويشاهدون خذلان الله لهم وإعراضَه عنهم ومقته لهم وما أعدَّ لهم من العذاب، وكلُّ ذلك بمشيئته وإذنه١ وتصرُّفه في مملكته، فأولياؤه من خشية خذلانه خاضعون مشفقون على أشدِّ وَجَلٍ وأعظم مخافةٍ وأتمِّ انكسارٍ.
فإذا رأت الملائكة إبليس وما جرى له، وهاروت وماروت، وضعت رؤوسها بين يدي الرّبِّ تعالى خضوعًا لعظمته، واستكانةً لعزَّته، وخشيةً من إبعاده وطرده، وتذلُّلًّا لهيبته، وافتقارًا إلى عصمته ورحمته، وعلمت بذلك