مدارج السالكين

منَّته عليهم، وإحسانَه إليهم، وتخصيصَه لهم بفضله وكرامته.

وكذلك أولياؤه المتّقون، إذا شاهدوا أحوال أعدائه ومقته لهم، وغضبه عليهم، وخذلانه لهم، ازدادوا له١ خضوعًا وذُلًّا وافتقارًا وانكسارًا، وبه استعانةً، وإليه إنابةً، وعليه توكُّلًا، وفيه رغبةً، ومنه رهبةً، وعلموا أنه٢ لا ملجأ لهم منه إلَّا إليه، وأنّهم لا يعيذهم من بأسه إلَّا هو، ولا ينجيهم من سخطه إلّا مرضاته، فالفضل بيده أوَّلًا وآخرًا.

وهذا٣ قطرةٌ من بحر حكمته المحيطِ٤ بخلقه وأمره، والبصيرُ يطالع ببصيرته ما وراءه، فيُطلعه على عجائب من حكمته لا تبلغها العبارة ولا تنالها الصِّفة.

وأمّا حظُّ العبد في٥ نفسه وما يخصُّه من شهود هذه الحكمة، فبحسب استعداده وقوّة بصيرته، وكمال علمه ومعرفته بالله وأسمائه وصفاته، ومعرفته بحقوق العبوديّة والرُّبوبيّة، وكلُّ مؤمنٍ له من ذلك شِربٌ معلوم ومقام لا يتعدّاه ولا يتخطّاه.

فصل

المشهد السادس: مشهد التوحيد، وهو أن يشهد انفراد الرّبِّ تعالى

  1. (١) ساقطة من م.
  2. (٢) ع: «أنهم».
  3. (٣) ج، ن، ع: «وهذه».
  4. (٤) ع: «المحيطة».
  5. (٥) ج، ن: «من».
20

بالخلق والحكم، وأنّه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنّه لا تتحرّك ذرّةٌ إلّا بإذنه، وأنّ الخلق مقهورون تحت قبضته، وأنّه ما من قلبٍ إلّا وهو بين أصابعه١، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، فالقلوب بيده وهو مقلِّبها ومصرِّفها كيف شاء وكيف أراد، وأنّه هو الذي آتى نفوس المتقين٢ تقواها، وهو الذي هداها وزكَّاها، وألهم نفوس الفجَّار فجورها وأشقاها. من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل٣ فلا هادي له؛ يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضلُّ من يشاء بعدله وحكمته. هذا فضله وعطاؤه، وما فضل الكريم بممنونٍ؛ وهذا عدله وقضاؤه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].

قال ابن عبَّاسٍ ﵄: الإيمان بالقدر نظام التَّوحيد، فمن كذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه، ومن آمن بالقدر صدَّق إيمانه توحيده٤.

وفي هذا المشهد يتحقَّق للعبد مقامُ ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾٥ علمًا وحالًا، فتَثبت قدم العبد في توحيد الرُّبوبيَّة٦، ثمَّ يرقى منه صاعدًا إلى توحيد الإلهيَّة، فإنه إذا تيقَّن أن الضرَّ والنَّفع، والعطاء والمنع، والهدى

  1. (١) م، ش: «إصبعيه». ج: «إصبعين من أصابع الرحمن».
  2. (٢) ش، ع: «المؤمنين».
  3. (٣) ع: «يضلله».
  4. (٤) سبق تخريجه (١/ ١٢٦).
  5. (٥) م، ع: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وكان قد ألحق أول الآية في هامش الأصل، ثم ضُرب عليه.
  6. (٦) م، ش: «في مقام توحيد الربوبية».
21

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي