بالخلق والحكم، وأنّه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنّه لا تتحرّك ذرّةٌ إلّا بإذنه، وأنّ الخلق مقهورون تحت قبضته، وأنّه ما من قلبٍ إلّا وهو بين أصابعه١، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، فالقلوب بيده وهو مقلِّبها ومصرِّفها كيف شاء وكيف أراد، وأنّه هو الذي آتى نفوس المتقين٢ تقواها، وهو الذي هداها وزكَّاها، وألهم نفوس الفجَّار فجورها وأشقاها. من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل٣ فلا هادي له؛ يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضلُّ من يشاء بعدله وحكمته. هذا فضله وعطاؤه، وما فضل الكريم بممنونٍ؛ وهذا عدله وقضاؤه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾[الأنبياء: ٢٣].
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: الإيمان بالقدر نظام التَّوحيد، فمن كذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه، ومن آمن بالقدر صدَّق إيمانه توحيده٤.
وفي هذا المشهد يتحقَّق للعبد مقامُ ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾٥ علمًا وحالًا، فتَثبت قدم العبد في توحيد الرُّبوبيَّة٦، ثمَّ يرقى منه صاعدًا إلى توحيد الإلهيَّة، فإنه إذا تيقَّن أن الضرَّ والنَّفع، والعطاء والمنع، والهدى
(١) م، ش: «إصبعيه». ج: «إصبعين من أصابع الرحمن».
(٢) ش، ع: «المؤمنين».
(٣) ع: «يضلله».
(٤) سبق تخريجه (١/ ١٢٦).
(٥) م، ع: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وكان قد ألحق أول الآية في هامش الأصل، ثم ضُرب عليه.
(٦) م، ش: «في مقام توحيد الربوبية».
والضّلال، والسَّعادة والشَّقاوة١ كلُّ ذلك بيد الله لا بيد غيره، وأنّه الذي يقلِّب القلوب ويصرِّفها كيف يشاء، وأنَّه لا موفَّق إلّا من وفَّقه وأعانه، ولا مخذول إلَّا من خذله٢ وتخلَّى عنه= اتَّخذه٣ وحده إلهًا ومعبودًا، فكان أحبَّ إليه من كلِّ ما سواه، وأخوف عنده من كلِّ ما سواه، وأرجى له من كلِّ ما سواه، فتتقدّم محبَّتُه في قلبه جميع المحابِّ، فتنساق المحابُّ تبعًا لها كما ينساق الجيش تبعًا للسُّلطان، ويتقدَّم خوفُه في قلبه جميع المخاوف، فتنساق المخاوف كلُّها تبعًا لخوفه، ويتقدَّم رجاؤه في قلبه جميع الرّجاء، فينساق كلُّ رجاءٍ له تبعًا لرجائه. فهذا علامة توحيد الإلهيَّة٤، والبابُ الذي دخل إليه منه: توحيد الرُّبوبيَّة٥، كما يدعو سبحانه عبادَه في كتابه بهذا النَّوع من التَّوحيد إلى النَّوع الآخر، ويحتجُّ عليهم به، ويقرِّرهم به، ثمّ يخبر أنّهم يَنقضونه بشِرْكهم به٦
في الإلهيَّة.
وفي هذا المشهد يتحقَّق له مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾[الزخرف: ٨٧] أي: فمِن أين يُصرَفون
(١) ع: «والشقاء».
(٢) في ع زيادة: «وأهانه».
(٣) جواب: «فإنه إذا تيقَّن ...». والسياق في ع: «... وتخلَّى عنه، وإن أصحَّ القلوب وأسلمها وأقومها وأرقَّها وأصفاها وأسدَّها وألينها من اتخذه». زيادة مقحمة أفسدت السياق وأخْلت «إذا» عن الجواب.
(٤) في ع زيادة: «في هذا القلب».
(٥) في ع زيادة: «أي: باب توحيد الإلهية توحيد الربوبية، فإن أول ما يتعلق القلب بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية».