والضّلال، والسَّعادة والشَّقاوة١ كلُّ ذلك بيد الله لا بيد غيره، وأنّه الذي يقلِّب القلوب ويصرِّفها كيف يشاء، وأنَّه لا موفَّق إلّا من وفَّقه وأعانه، ولا مخذول إلَّا من خذله٢ وتخلَّى عنه= اتَّخذه٣ وحده إلهًا ومعبودًا، فكان أحبَّ إليه من كلِّ ما سواه، وأخوف عنده من كلِّ ما سواه، وأرجى له من كلِّ ما سواه، فتتقدّم محبَّتُه في قلبه جميع المحابِّ، فتنساق المحابُّ تبعًا لها كما ينساق الجيش تبعًا للسُّلطان، ويتقدَّم خوفُه في قلبه جميع المخاوف، فتنساق المخاوف كلُّها تبعًا لخوفه، ويتقدَّم رجاؤه في قلبه جميع الرّجاء، فينساق كلُّ رجاءٍ له تبعًا لرجائه. فهذا علامة توحيد الإلهيَّة٤، والبابُ الذي دخل إليه منه: توحيد الرُّبوبيَّة٥، كما يدعو سبحانه عبادَه في كتابه بهذا النَّوع من التَّوحيد إلى النَّوع الآخر، ويحتجُّ عليهم به، ويقرِّرهم به، ثمّ يخبر أنّهم يَنقضونه بشِرْكهم به٦
في الإلهيَّة.
وفي هذا المشهد يتحقَّق له مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾[الزخرف: ٨٧] أي: فمِن أين يُصرَفون
(١) ع: «والشقاء».
(٢) في ع زيادة: «وأهانه».
(٣) جواب: «فإنه إذا تيقَّن ...». والسياق في ع: «... وتخلَّى عنه، وإن أصحَّ القلوب وأسلمها وأقومها وأرقَّها وأصفاها وأسدَّها وألينها من اتخذه». زيادة مقحمة أفسدت السياق وأخْلت «إذا» عن الجواب.
(٤) في ع زيادة: «في هذا القلب».
(٥) في ع زيادة: «أي: باب توحيد الإلهية توحيد الربوبية، فإن أول ما يتعلق القلب بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية».
(٦) «به» ساقط من ج، ن ..
عن شهادة أن لا إله إلّا هو١، وعن عبادته وحده، وهم يشهدون أنّه لا ربَّ غيرُه، ولا خالق سواه؟
وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٤ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾[المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] فتعلمون أنّه إذا كان وحدَه مالِكَ الأرض ومن فيها، وخالقهم وربَّهم ومليكهم، فهو وحده إلهُهم ومعبودهم، فكما لا ربَّ لهم غيره، فهكذا لا إله لهم سواه. ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ٨٦ سَيَقُولُونَ اللَّهُ٢ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٨ سَيَقُولُونَ اللَّهُ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾[المؤمنون: ٨٦ - ٨٩].
وهكذا قوله في سورة النّمل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ٥٩ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ٦٠﴾ إلى آخر الآيات [النمل: ٥٩ - ٦٤]، يحتجُّ عليهم بأنَّ من فعل هذا وحده فهو الإله وحده، فإن كان معه ربٌّ فعل هذا فينبغي أن تعبدوه، وإن لم يكن معه ربٌّ فعل هذا فكيف تجعلون معه إلهًا آخر؟ ولهذا كان الصحيح من القولين في تقدير الآية: (أإلهٌ مع الله فعل هذا؟) حتّى يتمَّ الدليلُ، فلا بدَّ من الجواب بلا، فإذا لم يكن معه إلهٌ فعل كفعله فكيف
(١) ع: «الله».
(٢) كذا في النسخ هنا وفي الموضع الآتي، على قراءة أبي عمرو ويعقوب الحضرمي. وقرأ الباقون: ﴿لِلَّهِ﴾. انظر: «النشر» (٢/ ٣٢٩).