له، وإنّما منعه ما هو مجرَّد فضله وعطائه، وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله١.
فمتى شهد العبد هذا المشهد وأعطاه حقَّه، علم ضرورته وفاقته٢ إلى التَّوفيق كلَّ نَفَسٍ وكلَّ لحظةٍ وطرفةِ عينٍ، وأنَّ إيمانه وتوحيده ممسَكٌ بيَدِ غيره، لو تخلَّى عنه طرفة عينٍ٣ لثُلَّ عرشُه٤ ولخرَّت سماءُ إيمانه على الأرض، وأنّ الممسك له مَن يُمسك السماء أن تقع على الأرض إلَّا بإذنه، فهجِّيرى قلبه ودأبُ لسانه: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، يا مصرِّف القلوب صرِّف قلبي إلى طاعتك، ودعواه٥: يا حيُّ يا قيُّوم، يا بديع السّماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلَّا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كلَّه ولا تكلني إلى نفسي طرفة عينٍ ولا إلى أحدٍ من خلقك٦.
ففي هذا المشهد يشهد توفيق الله وخذلانه، كما يشهد ربوبيّته وخلقه، فيسأله توفيقه مسألة المضطرِّ، ويعوذ به مِن خذلانه عياذَ الملهوف، ويُلقي نفسه بين يديه طريحًا ببابه مستسلمًا له، ناكسَ الرأس بين يديه، خاضعًا ذليلًا مستكينًا، لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.
والتوفيق إرادة الله من١ نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد، بأن يجعله قادرًا على فعل ما يرضيه، مريدًا له، محبًّا له، مؤثرًا له على غيره، ويبغِّض إليه ما يسخطه ويَكْرهه٢، وهذا مجرَّد فعلِه٣ والعبد محلٌّ له؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ٧ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[الحجرات: ٧ - ٨]، فهو سبحانه عليمٌ بمن يصلح لهذا الفضل ومن لا يصلح له، حكيمٌ يضعه في مواضعه وعند أهله، لا يمنعه أهلَه ولا يضعه عند غير أهله.
وذَكَر هذا عقيب قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، ثمَّ جاء به٤ بحرف الاستدراك فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾. يقول سبحانه: لم تكن محبَّتكم للإيمان وإرادته وتزيينه في قلوبكم منكم، ولكن الله هو الذي جعله في قلوبكم كذلك، فآثرتموه ورضيتموه، فكذلك٥ لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله٦، ولا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، فالذي حبَّب إليكم الإيمان أعلم بمصالح عباده وما يُصلحهم منكم، وأنتم فلولا توفيقه لكم لما أذعنَتْ نفوسكم للإيمان، فلم
(١) «مِن» ساقطة من ج، ن.
(٢) م، ش، ن، ع: «ويكرِّهه إليه». وكذا كان في الأصل ول، ثم ضرب فيهما على «إليه».