مدارج السالكين

والتوفيق إرادة الله من١ نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد، بأن يجعله قادرًا على فعل ما يرضيه، مريدًا له، محبًّا له، مؤثرًا له على غيره، ويبغِّض إليه ما يسخطه ويَكْرهه٢، وهذا مجرَّد فعلِه٣ والعبد محلٌّ له؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ٧ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]، فهو سبحانه عليمٌ بمن يصلح لهذا الفضل ومن لا يصلح له، حكيمٌ يضعه في مواضعه وعند أهله، لا يمنعه أهلَه ولا يضعه عند غير أهله.

وذَكَر هذا عقيب قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، ثمَّ جاء به٤ بحرف الاستدراك فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾. يقول سبحانه: لم تكن محبَّتكم للإيمان وإرادته وتزيينه في قلوبكم منكم، ولكن الله هو الذي جعله في قلوبكم كذلك، فآثرتموه ورضيتموه، فكذلك٥ لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله٦، ولا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، فالذي حبَّب إليكم الإيمان أعلم بمصالح عباده وما يُصلحهم منكم، وأنتم فلولا توفيقه لكم لما أذعنَتْ نفوسكم للإيمان، فلم

  1. (١) «مِن» ساقطة من ج، ن.
  2. (٢) م، ش، ن، ع: «ويكرِّهه إليه». وكذا كان في الأصل ول، ثم ضرب فيهما على «إليه».
  3. (٣) ش: «فضله».
  4. (٤) «به» ساقطة من م.
  5. (٥) رسمه في الأصل وم يحتمل: «فلذلك».
  6. (٦) ع: «لا تقدموا بين يدي رسولي».
27

يكن الإيمان بمشورتكم وتوفيق أنفسكم، ولا تقدَّمتم به إليها، فنفوسكم تقصر وتعجز عن ذلك ولا تبلغه١، فلو أطاعكم رسولي في كثيرٍ ممَّا تريدون لشقَّ عليكم ذلك ولهلكتم وفسدت مصالحكم وأنتم لا تشعرون، ولا تظنُّوا أنّ نفوسكم تريد بكم الرُّشد والصَّلاح كما أردتم الإيمان، فلولا أنِّي حبَّبتُه إليكم وزيَّنته في قلوبكم وكرَّهت إليكم ضدَّه لما وقع منكم٢ ولا سمحت به نفوسكم٣.

وقد ضُرب للتوفيق والخذلان مَثَل مَلِكٍ أرسل إلى أهل بلدة٤ من بلاده رسولًا، وكتب معه كتابًا يُعْلمهم أنَّ العدوَّ مُصبِّحهم عن قريبٍ٥ ومُجتاحهم ومخرِّب البلد ومهلك من فيها، وأرسل إليهم أموالًا ومراكب وزادًا وعُدَّةً وأدلَّةً، وقال: ارتحلوا إليَّ مع هؤلاء الأدلَّة وقد أرسلت إليكم جميع ما تحتاجون إليه، ثمَّ قال لجماعةٍ من مماليكه: اذهبوا إلى فلانٍ فخذوا بيده واحملوه ولا تذروه يقعد، واذهبوا إلى فلانٍ كذلك وإلى فلانٍ، وذروا من عداهم فإنَّهم لا يصلحون أن يساكنوني في بلدي، فذهب خواصُّ الملك٦ إلى من أُمروا بحملهم، فلم يتركوهم يقرُّون، بل حملوهم حملًا وساقوهم سوقًا إلى الملك، فاجتاح العدوُّ من بقي في المدينة وقتلهم وأسر

  1. (١) ج، ن: «تعجر ولا تعقله».
  2. (٢) «منكم» ساقط من ج، ن.
  3. (٣) ع: «أنفسكم».
  4. (٤) ن: «بلدٍ».
  5. (٥) «عن قريب» ساقط من ج، ن.
  6. (٦) ع: «مماليكه».
28

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي