مدارج السالكين

وعموم مشيئة الله للكائنات، وأثبتوا الأسباب والحكم والغايات والمصالح، ونزَّهوا الله ﷿ أن يكون في ملكه ما لا يشاء، أو أن١ يقدر خلقه على ما لا يدخل تحت قدرته ولا مشيئته، وأن٢ يكون شيء من أفعالهم واقعًا بغير اختياره وبدون مشيئته، ومن قال ذلك فلم يعرف ربَّه ولم يُثبت له كمال الرُّبوبيّة.

ونزَّهوه مع ذلك عن العبث وفعل القبيح، وأن يخلق شيئًا سدًى، وأن تخلو أفعاله عن حكمٍ٣ بالغةٍ لأجلها أوجدها، وأسبابٍ بها سبَّبها، وغاياتٍ جُعلت طرقًا ووسائل إليها، وأنَّ له في كلِّ ما خلقه وقضاه حكمةً بالغةً، وتلك الحكمة صفةٌ له قائمةٌ به، ليست مخلوقةً كما تقول القدريَّة النُّفاة للقدر والحكمة في الحقيقة.

وأهل الصِّراط المستقيم بريئون من الطائفتين، إلّا من حقٍّ تتضمَّنه مقالاتهم فإنّهم يوافقونهم عليه، ويجمعون حقَّ كلٍّ منهما إلى حقِّ الأخرى، ولا يبطلون ما معهم من الحقِّ لما قالوه من الباطل، فهم شهداء الله على الطوائف، أُمَناءُ عليهم، حُكَّامٌ بينهم، حاكمون عليهم، ولا يحكم عليهم منهم أحدٌ، يكشفون أحوال الطوائف، ولا يكشفهم إلّا من كشف٤ عن معرفة ما جاءت به الرُّسل وعرف الفرق بينه وبين غيره ولم يلتبس عليه. وهؤلاء أفراد العالم ونخبته وخلاصته، ليسوا من الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعًا، ولا من

  1. (١) ج، ن: «وأن».
  2. (٢) ع: «أو أن».
  3. (٣) ش، ج، ن: «حكمة».
  4. (٤) ع: «كشف له».
30

الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زبرًا، بل ممن١ هو على بيِّنةٍ من ربِّه وبصيرةٍ في إيمانه ومعرفةٍ بما عند النّاس، والله الموفِّق المعين٢.

فصل

المشهد الثامن: مشهد الأسماء والصِّفات، وهو من أجلِّ المشاهد، وهو أعلى ممَّا قبله وأوسع.

والمُطْلع على هذا المشهد: معرفة تعلُّق الوجود خلقًا وأمرًا بالأسماء الحسنى والصِّفات العُلا، وارتباطه بها، وأن٣ العالَمَ بما فيه من بعض آثارها ومقتضاها؛ وهذا من أجلِّ المعارف وأشرفها.

وكلُّ اسمٍ من أسمائه سبحانه له صفةٌ خاصَّة، فإن أسماءه سبحانه٤ أوصافُ مدحٍ وكمالٍ، وكلُّ صفةٍ لها مقتضًى وفعلٌ، إمَّا لازم وإمَّا متعدٍّ، ولذلك الفعل تعلُّق بمفعولٍ٥ هو من لوازمه، وهذا في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، كلُّ ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجَباتها.

ومن المُحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيلُ الأوصاف عمَّا تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيلُ الأفعال عن المفعولات؛ كما أنَّه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعالِه عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيلُ أسمائه وأوصافه عن ذاته.

  1. (١) م، ج، ن: «بل هم ممن».
  2. (٢) «المعين» ساقط من ع. وفي ج، ن: «والمعين».
  3. (٣) في ع زيادة: «كان».
  4. (٤) ل: «أسماءه الحسنى».
  5. (٥) في الأصل وغيره: «بمفعوله»، ولعل المثبت من ع أقرب.
31

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي