الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زبرًا، بل ممن١ هو على بيِّنةٍ من ربِّه وبصيرةٍ في إيمانه ومعرفةٍ بما عند النّاس، والله الموفِّق المعين٢.
فصل
المشهد الثامن: مشهد الأسماء والصِّفات، وهو من أجلِّ المشاهد، وهو أعلى ممَّا قبله وأوسع.
والمُطْلع على هذا المشهد: معرفة تعلُّق الوجود خلقًا وأمرًا بالأسماء الحسنى والصِّفات العُلا، وارتباطه بها، وأن٣ العالَمَ بما فيه من بعض آثارها ومقتضاها؛ وهذا من أجلِّ المعارف وأشرفها.
وكلُّ اسمٍ من أسمائه سبحانه له صفةٌ خاصَّة، فإن أسماءه سبحانه٤ أوصافُ مدحٍ وكمالٍ، وكلُّ صفةٍ لها مقتضًى وفعلٌ، إمَّا لازم وإمَّا متعدٍّ، ولذلك الفعل تعلُّق بمفعولٍ٥ هو من لوازمه، وهذا في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، كلُّ ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجَباتها.
ومن المُحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيلُ الأوصاف عمَّا تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيلُ الأفعال عن المفعولات؛ كما أنَّه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعالِه عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيلُ أسمائه وأوصافه عن ذاته.
(١) م، ج، ن: «بل هم ممن».
(٢) «المعين» ساقط من ع. وفي ج، ن: «والمعين».
(٣) في ع زيادة: «كان».
(٤) ل: «أسماءه الحسنى».
(٥) في الأصل وغيره: «بمفعوله»، ولعل المثبت من ع أقرب.
وإذا كانت أوصافه صفاتِ كمالٍ، وأفعالُه حِكَمًا ومصالح، وأسماؤه حسنى، ففرض تعطيلها عن موجَباتها مستحيلٌ في حقِّه، ولهذا ينكر سبحانه على من عطَّله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأنّه نَسَبه إلى ما لا يليق به بل١ يتنزَّه عنه، وأنّ ذلك حكمٌ سيِّئ ممَّن حكم به عليه، وأنَّ من نسبه إلى ذلك فما قدره حقَّ قدره، ولا عظَّمه حقَّ تعظيمه، كما قال تعالى في حقِّ منكري النبوات٢ وإرسال الرُّسل وإنزال الكتب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾[الأنعام: ٩١].
وقال في حقِّ من جوَّز عليه التسوية بين المختلفين، كالأبرار والفجّار، والمؤمنين والكفّار: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾[الجاثية: ٢١]، فأخبر أنّ هذا حكمٌ سيِّئ لا يليق به، تأباه أسماؤه وصفاته.
وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ١١٥ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾٣[المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] عن هذا الظّنِّ والحسبان الذي تأباه أسماؤه وصفاته. ونظائر هذا في القرآن كثير، ينفي عن نفسه خلاف موجَب أسمائه وصفاته، إذ ذلك مستلزمٌ تعطيلها عن كمالها ومقتضاها.
(١) ج، ن: «وأنه».
(٢) ع: «منكرين النبوات»، وفي هامشه إشارة إلى نسخة: «منكري النبوة».