إذا عرف هذا، فمن أسمائه سبحانه: الغفَّار، التَّوَّاب، العفوُّ، فلا بدَّ لهذه الأسماء من متعلَّقاتٍ، ولا بُدَّ من جنايةٍ تُغفَر، وتوبةٍ تُقبَل، وجرائم يُعفى عنها، ولا بدَّ لاسمه الحليم من متعلَّقٍ يظهر فيه حِلْمه٤، إذ اقتضاء هذه الأسماء لآثارها كاقتضاء اسم الخالق الرازق٥ المعطي المانع للمخلوق والمرزوق والمُعطى والممنوع، وهذه الأسماء كلُّها حسنى.
والربُّ تعالى يحبُّ ذاته وأوصافه وأسماءه، فهو عفوٌّ يحبُّ العفو،
(١) ع: «متقتضياتها».
(٢) ش، ن: «الرزَّاق».
(٣) ل: «وعطاءً».
(٤) ع: «الحكيم ... حكمه»، تصحيف.
(٥) ش: «الرزَّاق».
ويحبُّ المغفرة، ويحبُّ التّوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرحٍ يخطر بالبال، فكان تقدير ما يغفره، ويعفو عن فاعله، ويحلم عنه، ويتوب عليه ويسامحه= من موجَب أسمائه وصفاته. وحصول ما يحبُّه ويرضاه من ذلك، وما يحمد به نفسه ويحمده١ به أهل سماواته وأهل أرضه= ما٢ هو من موجبات كماله ومقتضى حمده.
وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما، ومن آثارهما: مغفرة الزلّات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيِّئات، والمسامحة على الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحقِّ والعلمِ منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها، فحِلمُه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزّته وحكمته، كما قال المسيح ــ صلى الله على نبينا وعليه وسلم ــ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[المائدة: ١١٨]، أي فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك، ليستْ٣ كمن يغفر عجزًا ويسامح جهلًا بقدر الحقِّ، بل أنت عليمٌ بحقِّك، قادرٌ على استيفائه، حكيمٌ في الأخذ به.
فمن تأمّل سريان آثار الأسماء والصِّفات في العالَم وفي الأمر، تبيَّن له أنَّ مصدر قضاءِ هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو من كمال الأسماء والصِّفات والأفعال، وغاياتُها أيضًا مقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيَّته وإلهيَّته.