ومكروهٍ له، فالطاعات والتوحيد أسبابٌ محبوبةٌ له، موصلةٌ إلى الإحسان والثواب المحبوب له أيضًا؛ والشِّرك والمعاصي أسبابٌ مسخوطةٌ له، موصلةٌ إلى العدل المحبوب له، وإن كان الفضل أحبَّ إليه من العدل فاجتماع الفضل والعدل أحبُّ إليه من انفراد أحدهما، لما فيهما من كمال الملك والحمد وتنوُّع الثّناء وكمال القدرة.
فإن قيل: كان يمكن حصول هذا المحبوب من غير توسُّط المكروه.
قيل: هذا سؤالٌ باطلٌ، لأنّ وجود الملزوم١ بدون لازمه ممتنعٌ، والذي يقدِّر الذِّهن وجودَه شيءٌ آخر غير هذا المطلوب المحبوب للربِّ تعالى، وحكم الذِّهن عليه بأنّه محبوبٌ للربِّ حكمٌ بلا علمٍ، بل قد يكون مبغوضًا للرّبِّ تعالى لمنافاته حكمته، فإذا حكم الذِّهن عليه بأنّه محبوبٌ له كان نسبةً له إلى ما لا يليق به ويتعالى عنه. فليُعطِ اللَّبيب هذا الموضع حقَّه من التّأمُّل، فإنّه مزلَّة أقدامٍ ومضلَّة أفهامٍ، ولو أمسك عن الكلام من لا يعلم لقلَّ الخلاف.
وهذا المشهد أجلُّ من أن يحيط به كتاب، أو يستوعبه خطاب، وإنَّما أشرنا منه إلى أدنى إشارةٍ تُطلع على ما وراءها، والله الموفِّق المعين.
فصل
المشهد التاسع: مشهد زيادة الإيمان وتعدُّد٢ شواهده. وهذا٣ من ألطف المشاهد وأخصِّها بأهل المعرفة، ولعلَّ سامعه يبادر إلى إنكاره،
(١) ج، ن: «الملتزم».
(٢) م: «تعداد».
(٣) ش: «وهو».
ويقول: كيف نشهد١ زيادة الإيمان من الذُّنوب والمعاصي، ولا سيَّما مِن ذنوب العبد ومعاصيه؟ وهل ذلك إلَّا منقص الإيمان٢، فإنّه بإجماع السّلف يزيد بالطّاعة وينقص بالمعصية.
فاعلم أنّ هذا حاصلٌ من التفات العارف إلى الذُّنوب والمعاصي منه ومن غيره وإلى ترتُّب آثارها عليها، وترتُّبُ هذه الآثار عليها٣ عَلَمٌ من أعلام النُّبوَّة، وبرهانٌ من براهين صدق الرُّسل وصحَّة ما جاؤوا به، فإنَّ الرُّسل صلوات الله وسلامه عليهم أمروا العباد بما فيه صلاح ظواهرهم وبواطنهم في معاشهم ومعادهم، ونهوهم عمَّا فيه فساد ظواهرهم وبواطنهم في المعاش والمعاد، وأخبروهم عن الله سبحانه أنّه يحبُّ كذا وكذا ويُثيب عليه كذا وكذا، وأنّه يبغض كيت وكيت ويعاقب عليه بكيت وكيت، وأنّه إذا أطيع بما أَمَر به شكر عليه بالإمداد والزِّيادة والنِّعم في القلوب والأبدان والأموال، ووجد العبدُ زيادته وقوَّته٤ في حاله كلِّها، وأنّه إذا خولف أمرُه ونهيه ترتَّب عليه من النّقص والفساد والضّعف والذُّلِّ والمهانة والحقارة وضيق العيش وتنكُّد الحياة ما ترتّب، كما قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ ٩٦ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا﴾[النحل: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾[الزمر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ