مدارج السالكين

أتداركه بالتّوبة١ انتظرت أثره السيِّئ، فإذا أصابني ــ أو٢ فوقه أو دونه ــ كما حسبت يكون هجِّيراي: أشهد أن لا إله إلَّا الله٣، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله. ويكون ذلك من شواهد الإيمان وأدلَّته، فإنَّ الصادق متى أخبرك أنَّك إذا فعلت كذا وكذا ترتّب عليه من المكروه كذا وكذا، فجعلت كلَّما فعلت شيئًا من ذلك حصل لك ما قال من المكروه= لم تزدد إلّا علمًا بصدقه وبصيرةً فيه، وليس هذا لكلِّ أحدٍ، بل أكثر النّاس تَرِين الذُّنوبُ على قلبه، فلا يشهد شيئًا من ذلك ولا يشعر به البتَّة.

وإنَّما يكون هذا لقلبٍ فيه نور الإيمان، وأهوية الذُّنوب والمعاصي تعصف فيه، فهو يشاهد هذا وهذا، ويرى حال مصباح إيمانه مع قوَّة تلك الأهوية والرِّياح، فيرى نفسه كراكب البحر عند هَيَجان الرِّيح٤ وتقلُّب السّفينة وتكفُّئها، ولاسيَّما إذا انكسرت به وبقي على لوحٍ تلعب به الرِّياح، فهكذا المؤمن يشاهد نفسه عند ارتكاب الذُّنوب إذا أريد به الخير، وإن أريد به غير ذلك فقلبه في وادٍ آخر.

ومتى انفتح هذا الباب للعبد انتفع بمطالعة تاريخ العالم وأحوال الأمم وماجَرَيات٥ الخلق، بل انتفع بماجَرَياتِ٦ أهلِ زمانه وما يشاهده من

  1. (١) «بالتوبة» ساقط من ج، ن.
  2. (٢) ج، ن: «ما».
  3. (٣) الشهادة الأولى ليست في ع.
  4. (٤) ع: «الرياح».
  5. (٥) أي: الوقائع. كلمة مولَّدة من «ما جَرَى».
  6. (٦) ن: «بماجريانات»، خطأ. وكذا كان في ج ثم أُصلح.
42

أحوال النّاس، وفَهِم حينئذٍ معنى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]. وكل ما تراه في الوجود من شرٍّ وألمٍ وعقوبةٍ وجدبٍ وخوفٍ ونقصٍ في نفسك وفي غيرك فهو من قيام الرّبِّ تعالى بالقسط، وهو عدل الله وقسطه، وإن أجراه على يد١ ظالمٍ فالمسلِّط له أعدل العادلين، كما قال تعالى لمن أفسد في الأرض: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥].

فالذُّنوب مثل السُّموم مضرَّةٌ بالذَّات، فإنْ تدارَكها مِن سقيٍ بالأدوية المقاومة لها، وإلّا قهرت القوَّة الإيمانيّة وكان الهلاك، كما قال بعض السّلف: المعاصي بريد الكفر، كما أنَّ الحُمَّى بريد الموت٢.

فشهود العبد نقصَ حاله إذا عصى ربّه، وتغيُّرَ القلوب عليه، وجفولَها منه، وانسدادَ الأبواب في وجهه، وتوعُّرَ المسالك عليه، وهوانَه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه؛ وتطلُّبُ٣ سبِب ذلك حتّى يعلم من أين أُتي؛ ووقوعُه٤ على السّبب الموجِب لذلك= ممّا٥ يقوِّي إيمانه. فإن أقلع

  1. (١) ع: «يدَي».
  2. (٢) قاله أبو حفص النيسابوري الزاهد (ت ٢٦٤). أسنده عنه السلمي في «الطبقات» (ص ١٠٤)، وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٢٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٨٣١).
  3. (٣) ج، ن، ع: «تطلُّبُه».
  4. (٤) واو العطف ساقطة من ل، م، ن. وفي ج إشارة إلى أنه في نسخة: «ووقوفه».
  5. (٥) ج، ن: «ما»، تصحيف.
43

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي