مدارج السالكين

وسياقته إليه، واستقلَّ ما من نفسه من الطّاعات لربِّه، ورآها ولو ساوت طاعات١ الثّقلين من أقلِّ٢ ما ينبغي لربِّه عليه، واستكثر قليل معاصيه وذنوبه، فإنّ الكسرة التي حصلت لقلبه أوجبت له هذا كلَّه.

فما أقربَ الجبرَ٣ من هذا القلب المكسور، وما أدنى النصرَ والرحمةَ والرِّزق منه، وما أنفعَ هذا المشهدَ له وأجداه عليه! وذرّةٌ من هذا ونَفَسٌ منه أحبُّ إلى الله من طاعاتٍ أمثال الجبال من المُدلِّين المُعجَبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم، وأحبُّ القلوب إلى الله تعالى قلبٌ قد تمكّنت منه هذه الكسرة وملكته هذه الذِّلَّة، فهو ناكس الرّأس بين يدي ربِّه تعالى، لا يرفع رأسه إليه حياءً وخجلًا من الله تعالى.

قيل لبعض العارفين٤: أيسجد القلب؟ قال: نعم، يسجد سجدةً لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللِّقاء، فهذا سجود القلب.

فقلبٌ لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجدٍ السُّجودَ المراد منه، وإذا سجد القلب لله هذه السّجدة العظمى سجدت معه جميع٥ الجوارح، وعنا الوجهُ حينئذٍ للحيِّ القيُّوم، وخشع الصَّوت والجوارح كلُّها، وذلّ

  1. (١) ش: «طاعة».
  2. (٢) ش: «أجلّ»، تصحيف.
  3. (٣) ج: «فإذا قَرُب الجبرُ»، تحريف.
  4. (٤) في «فتاوى شيخ الإسلام» (٢١/ ٢٨٧) أنه سهل بن عبد الله التستري، ولكن في «الفتوحات» لابن العربي (١/ ٥١٥) أن سهلًا هو السائل، والمسؤول بعض العارفين مِن عبَّادان.
  5. (٥) «جميع» سقطت من ج، ن.
48

العبد وخضع واستكان، ووضع خدَّه على عتبة العبوديّة ناظرًا بقلبه إلى ربِّه ووليِّه نظر الذّليل إلى العزيز الرّحيم، فلا يُرى إلّا متملِّقًا لربِّه خاضعًا له، ذليلًا مستكينًا١ مستعطفًا له، يسأله عطفه ورحمته، فهو يترضّى ربّه كما يترضَّى المحبُّ الكاملُ المحبَّةِ محبوبَه المالكَ له الذي لا غنى له عنه ولا بدَّ له منه، فليس له همٌّ غير استرضائه واستعطافه، لأنّه لا حياة له ولا فلاح إلّا في قربه ورضاه عنه ومحبَّته له٢، يقول٣: كيف أُغضِب مَن حياتي في رضاه؟ وكيف أعدل عمَّن سعادتي وفلاحي وفوزي في قربه وحبِّه وذِكره؟

وصاحب هذا المشهد يشهد نفسه كرجلٍ كان في كنف أبيه يغذوه بأطيب الطعام والشراب واللِّباس، ويربِّيه أحسن التّربية٤، ويرقِّيه في درجات الكمال أتمَّ ترقيةٍ، وهو القيِّم بمصالحه كلِّها، فبعثه أبوه في حاجةٍ له، فخرج عليه في الطريق٥ عدوٌّ فأسره وكَتَفه وشدَّه وثاقًا، ثمّ ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه سوء العذاب، وعامله بضدِّ ما كان أبوه يعامله به، فهو يتذكّر تربية والده وإحسانَه إليه الفينة بعد الفينة، فيَهيج من قلبه لواعج الحسرات٦ كلَّما رأى حاله وتذكَّر ما كان فيه٧، فبينا هو في أسر عدوِّه يسومه سوء

  1. (١) «مستكينًا» ساقط من ع.
  2. (٢) «ومحبته» تفرَّدت به ع. و«له» ضُرب عليه في الأصل ول، ولم يرد في ج، ن.
  3. (٣) ج، ن: «ولسان حاله يقول».
  4. (٤) ل: «يزينه أحسن الزينة».
  5. (٥) الأصل، ل، م: «طريق». ع: «طريقه».
  6. (٦) أي: الحسرات المُحرقة للفؤاد، فاللَّعْج: الحُرقة، واللَّاعج: الهوى المُحرِق.
  7. (٧) ع: «كان عليه وكلَّ ما كان فيه».
49

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي