العبد وخضع واستكان، ووضع خدَّه على عتبة العبوديّة ناظرًا بقلبه إلى ربِّه ووليِّه نظر الذّليل إلى العزيز الرّحيم، فلا يُرى إلّا متملِّقًا لربِّه خاضعًا له، ذليلًا مستكينًا١ مستعطفًا له، يسأله عطفه ورحمته، فهو يترضّى ربّه كما يترضَّى المحبُّ الكاملُ المحبَّةِ محبوبَه المالكَ له الذي لا غنى له عنه ولا بدَّ له منه، فليس له همٌّ غير استرضائه واستعطافه، لأنّه لا حياة له ولا فلاح إلّا في قربه ورضاه عنه ومحبَّته له٢، يقول٣: كيف أُغضِب مَن حياتي في رضاه؟ وكيف أعدل عمَّن سعادتي وفلاحي وفوزي في قربه وحبِّه وذِكره؟
وصاحب هذا المشهد يشهد نفسه كرجلٍ كان في كنف أبيه يغذوه بأطيب الطعام والشراب واللِّباس، ويربِّيه أحسن التّربية٤، ويرقِّيه في درجات الكمال أتمَّ ترقيةٍ، وهو القيِّم بمصالحه كلِّها، فبعثه أبوه في حاجةٍ له، فخرج عليه في الطريق٥ عدوٌّ فأسره وكَتَفه وشدَّه وثاقًا، ثمّ ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه سوء العذاب، وعامله بضدِّ ما كان أبوه يعامله به، فهو يتذكّر تربية والده وإحسانَه إليه الفينة بعد الفينة، فيَهيج من قلبه لواعج الحسرات٦ كلَّما رأى حاله وتذكَّر ما كان فيه٧، فبينا هو في أسر عدوِّه يسومه سوء
(١) «مستكينًا» ساقط من ع.
(٢) «ومحبته» تفرَّدت به ع. و«له» ضُرب عليه في الأصل ول، ولم يرد في ج، ن.
العذاب ويريد نحره في آخر الأمر، إذ حانت منه التفاتةٌ إلى نحو ديار١ أبيه فرأى أباه منه قريبًا، فسعى إليه وألقى نفسه عليه، يستغيث: يا أبتاه، يا أبتاه! انظر إلى ولدك وما هو فيه، ودموعه تستبق على خدَّيه، قد اعتنقه والتزمه، وعدوُّه في طلبه حتّى وقف على رأسه، وهو ملتزمٌ لوالده ممسكٌ له، فهل تقول: إنّ والده يسلمه مع٢ هذه الحال إلى عدوِّه ويخلِّي بينه وبينه؟ فما الظّنُّ بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده والوالدة بولدها إذا فرَّ إليه، وهرب من عدوِّه إليه، وألقى نفسَه طريحًا ببابه، يمرِّغ خدّه في ثَرى أعتابه باكيًا بين يديه، يقول: يا ربِّ، يا ربِّ، ارحم من لا راحم له سواك، ولا وليَّ له سواك٣، ولا ناصر له سواك٤، ولا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك؛ مسكينك وفقيرك، وسائلك ومؤمِّلك ومرجِّيك، لا ملجا ولا منجا له منك إلّا إليك، أنت ملاذه وبك معاذه.
يا من ألوذ به فيما أؤمِّلهومن أعوذ به فيما٥ أحاذره
لا يجبر النّاس عظمًا أنت كاسِرُهولا يَهيضُون عظمًا أنت جابره٦
فإذا استبصر في هذا المشهد، وتمكَّن٧ من قلبه وباشره، وذاق طعمه
(١) م، ج، ن: «دار».
(٢) ج، ن: «مُسْلمه على».
(٣) «ولا وليَّ له سواك» ساقط من ع.
(٤) «ولا ناصر له سواك» ساقط من ج، ن.
(٥) ل، ش، ع: «مما».
(٦) البيتان لأبي الطيب المتنبي، وقد تقدَّما (١/ ٢٨٩).
(٧) في الأصل وغيره: «تمكَّن» من دون واو العطف على أنه جواب «إذا»، ولعلَّ المثبت من ع أشبه.