مدارج السالكين

العذاب ويريد نحره في آخر الأمر، إذ حانت منه التفاتةٌ إلى نحو ديار١ أبيه فرأى أباه منه قريبًا، فسعى إليه وألقى نفسه عليه، يستغيث: يا أبتاه، يا أبتاه! انظر إلى ولدك وما هو فيه، ودموعه تستبق على خدَّيه، قد اعتنقه والتزمه، وعدوُّه في طلبه حتّى وقف على رأسه، وهو ملتزمٌ لوالده ممسكٌ له، فهل تقول: إنّ والده يسلمه مع٢ هذه الحال إلى عدوِّه ويخلِّي بينه وبينه؟ فما الظّنُّ بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده والوالدة بولدها إذا فرَّ إليه، وهرب من عدوِّه إليه، وألقى نفسَه طريحًا ببابه، يمرِّغ خدّه في ثَرى أعتابه باكيًا بين يديه، يقول: يا ربِّ، يا ربِّ، ارحم من لا راحم له سواك، ولا وليَّ له سواك٣، ولا ناصر له سواك٤، ولا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك؛ مسكينك وفقيرك، وسائلك ومؤمِّلك ومرجِّيك، لا ملجا ولا منجا له منك إلّا إليك، أنت ملاذه وبك معاذه.

يا من ألوذ به فيما أؤمِّلهومن أعوذ به فيما٥ أحاذره
لا يجبر النّاس عظمًا أنت كاسِرُهولا يَهيضُون عظمًا أنت جابره٦

فإذا استبصر في هذا المشهد، وتمكَّن٧ من قلبه وباشره، وذاق طعمه

  1. (١) م، ج، ن: «دار».
  2. (٢) ج، ن: «مُسْلمه على».
  3. (٣) «ولا وليَّ له سواك» ساقط من ع.
  4. (٤) «ولا ناصر له سواك» ساقط من ج، ن.
  5. (٥) ل، ش، ع: «مما».
  6. (٦) البيتان لأبي الطيب المتنبي، وقد تقدَّما (١/ ٢٨٩).
  7. (٧) في الأصل وغيره: «تمكَّن» من دون واو العطف على أنه جواب «إذا»، ولعلَّ المثبت من ع أشبه.
50

وحلاوته= ترقَّى١ منه إلى:

المشهد الثالث عشر، وهو الغاية التي شمَّر إليها السَّالكون، وأَمَّها القاصدون، ولحظ إليها العاملون.

وهو مشهد العبوديَّة والمحبَّة، والشوق إلى لقائه، والابتهاج٢ والفرح والسُّرور به، فتقرُّ به عينه، ويسكن إليه قلبه، وتطمئنُّ إليه جوارحه، ويستولي ذكرُه على لسان محبِّه وقلبه، فتصير خطرات المحبّة مكان خطرات المعصية، وإرادةُ التقرُّب إليه ومرضاته٣ مكان إرادة معاصيه ومساخطه، وحركاتُ اللِّسان والجوارح بالطّاعات مكان حركاتها بالمعاصي، قد امتلأ قلبه من محبّته، ولهج لسانه بذكره، وانقادت الجوارح لطاعته، فإنّ هذه الكسرة الخاصّة لها تأثيرٌ عجيبٌ في المحبَّة لا يُعبَّر عنه.

ويحكى عن بعض العارفين قال٤: دخلت على الله من أبواب الطّاعات كلِّها، فما دخلت من بابٍ إلّا رأيت عليه الزِّحام فلم أتمكَّن من الدُّخول، حتّى جئت باب الذُّلِّ والافتقار، فإذا هو أقرب بابٍ إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوِّق، فما هو٥ إلَّا أن وضعتُ قدمي في عَتَبته فإذا هو قد أخذ بيدي وأدخلني عليه.

  1. (١) في الأصل وغيره: «وترقَّى»، والمثبت من ج، ن، ع.
  2. (٢) في ع زيادة: «به».
  3. (٣) ع: «وإلى مرضاته».
  4. (٤) ج، ن: «أنه قال». وقد جرت عادة أهل الحديث وغيرهم من أهل العلم بحذف «أنه» في مثل هذا التركيب خطًّا لا نُطقًا. انظر: «الفتح» (١/ ١٠٥).
  5. (٥) «فما هو» من ج، ن، ع.
51

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي