المشهد الثالث عشر، وهو الغاية التي شمَّر إليها السَّالكون، وأَمَّها القاصدون، ولحظ إليها العاملون.
وهو مشهد العبوديَّة والمحبَّة، والشوق إلى لقائه، والابتهاج٢ والفرح والسُّرور به، فتقرُّ به عينه، ويسكن إليه قلبه، وتطمئنُّ إليه جوارحه، ويستولي ذكرُه على لسان محبِّه وقلبه، فتصير خطرات المحبّة مكان خطرات المعصية، وإرادةُ التقرُّب إليه ومرضاته٣ مكان إرادة معاصيه ومساخطه، وحركاتُ اللِّسان والجوارح بالطّاعات مكان حركاتها بالمعاصي، قد امتلأ قلبه من محبّته، ولهج لسانه بذكره، وانقادت الجوارح لطاعته، فإنّ هذه الكسرة الخاصّة لها تأثيرٌ عجيبٌ في المحبَّة لا يُعبَّر عنه.
ويحكى عن بعض العارفين قال٤: دخلت على الله من أبواب الطّاعات كلِّها، فما دخلت من بابٍ إلّا رأيت عليه الزِّحام فلم أتمكَّن من الدُّخول، حتّى جئت باب الذُّلِّ والافتقار، فإذا هو أقرب بابٍ إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوِّق، فما هو٥ إلَّا أن وضعتُ قدمي في عَتَبته فإذا هو قد أخذ بيدي وأدخلني عليه.
(١) في الأصل وغيره: «وترقَّى»، والمثبت من ج، ن، ع.
(٢) في ع زيادة: «به».
(٣) ع: «وإلى مرضاته».
(٤) ج، ن: «أنه قال». وقد جرت عادة أهل الحديث وغيرهم من أهل العلم بحذف «أنه» في مثل هذا التركيب خطًّا لا نُطقًا. انظر: «الفتح» (١/ ١٠٥).
(٥) «فما هو» من ج، ن، ع.
وكان شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ يقول: من أراد السعادة الأبديَّة فليلزم عتبة العبوديَّة١.
وقال بعض العارفين: لا طريق أقربُ إلى الله من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا ينفع مع الإعجاب والكبر عملٌ واجتهادٌ، ولا يضرُّ مع الذُّلِّ والافتقار بطالةٌ، يعني بعد فعل الفرائض.
والقصد: أنّ هذه الذِّلّة والكسرة الخاصة تُدخله على الله، وترميه على طريق المحبّة، فيفتح له منها بابٌ لا يفتح له من غير هذا الطّريق، وإن كانت طرق سائر الأعمال والطّاعات تفتح للعبد أبوابًا من المحبّة، لكنَّ الذي يُفتح منها من طريق الذلِّ والانكسار والافتقار وازدراء النّفس، ورؤيتِها بعين الضّعف والعجز والعيب والنّقص والذّمِّ بحيث يشاهدها ضيعةً وعجزًا وتفريطًا وذنبًا وخطيئةً= نوعٌ آخر وفتحٌ آخر.
والسالك بهذا٢ الطّريق غريبٌ في النّاس، هُم في وادٍ وهو في وادٍ، وهي تسمَّى طريقة٣ الطَّير، يسبق النّائمُ فيها على فراشه السُّعاة، فيصبح وقد قطع الرَّكب، بينا هو يحدِّثك وإذا به قد سبق الطَّرف وفات السُّعاة، فالله المستعان وهو خير الغافرين.
وهذا الذي حصل له من آثار محبّة الله له٤ وفرحه بتوبة عبده، فإنَّه