مدارج السالكين

وكان شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ يقول: من أراد السعادة الأبديَّة فليلزم عتبة العبوديَّة١.

وقال بعض العارفين: لا طريق أقربُ إلى الله من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا ينفع مع الإعجاب والكبر عملٌ واجتهادٌ، ولا يضرُّ مع الذُّلِّ والافتقار بطالةٌ، يعني بعد فعل الفرائض.

والقصد: أنّ هذه الذِّلّة والكسرة الخاصة تُدخله على الله، وترميه على طريق المحبّة، فيفتح له منها بابٌ لا يفتح له من غير هذا الطّريق، وإن كانت طرق سائر الأعمال والطّاعات تفتح للعبد أبوابًا من المحبّة، لكنَّ الذي يُفتح منها من طريق الذلِّ والانكسار والافتقار وازدراء النّفس، ورؤيتِها بعين الضّعف والعجز والعيب والنّقص والذّمِّ بحيث يشاهدها ضيعةً وعجزًا وتفريطًا وذنبًا وخطيئةً= نوعٌ آخر وفتحٌ آخر.

والسالك بهذا٢ الطّريق غريبٌ في النّاس، هُم في وادٍ وهو في وادٍ، وهي تسمَّى طريقة٣ الطَّير، يسبق النّائمُ فيها على فراشه السُّعاة، فيصبح وقد قطع الرَّكب، بينا هو يحدِّثك وإذا به قد سبق الطَّرف وفات السُّعاة، فالله المستعان وهو خير الغافرين.

وهذا الذي حصل له من آثار محبّة الله له٤ وفرحه بتوبة عبده، فإنَّه

  1. (١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٩/ ٣٤) و«جامع المسائل» (٦/ ١٢٥).
  2. (٢) ع: «بهذه».
  3. (٣) ع: «طريق».
  4. (٤) «له» ساقطة من ل، ش.
52

سبحانه يحبُّ التوَّابين١ ويفرح بتوبتهم أعظم فرحٍ وأكملَه. فكلّما طالع العبد منَّته سبحانه٢ قبل الذَّنب، وفي حال مواقعة الذنب، وبعد الذنب٣، وبرَّه به وحلمه عنه، وإحسانه إليه= هاجت من قلبه لواعج محبّته والشّوق إلى لقائه، فإنَّ القلوب مجبولةٌ على حبِّ من أحسن إليها، وأيُّ إحسانٍ أعظم من إحسان من يبارزه العبد بالمعاصي وهو يمدُّه بنعمه، ويعامله بألطافه، ويسبل عليه ستره، ويحفظه من خطفات أعدائه المترقِّبين له أدنى عثرةٍ ينالون منه بها بغيتهم، ويردُّهم عنه، ويحول بينهم وبينه؟ وهو في ذلك كلِّه بعَينه، يراه ويطَّلع عليه، فالسَّماء تستأذن ربَّها أن تحصبه، والأرض تستأذنه أن تخسف به، والبحر يستأذنه أن يغرقه، كما في «مسند الإمام أحمد ﵁»٤

عن النبيِّ ﷺ: «ما من يومٍ إلّا والبحر يستأذن ربَّه أن يغرق بني آدم، والملائكة تستأذنه أن تعاجله وتهلكه، والرّبُّ تعالى يقول: دعوا عبدي، فأنا أعلم به إذ

  1. (١) زِيد في ش: «ويحب المتطهرين».
  2. (٢) في ع زيادة: «عليه».
  3. (٣) ع: «وفي حال مواقعته وبعده».
  4. (٤) ليس فيه هذا اللفظ الطويل الذي ذكره، ولعله كان في كتاب «الزهد» لأحمد (وليس في القدر المطبوع منه) فتوهَّم أنه في «مسنده»، لاسيما أن لفظه بهذا التمام أشبه بمواعظ التابعين والإسرائيليات منه بالأحاديث المسندة. وإنما الذي في «المسند» (٣٠٣) هو حديث عمر مرفوعًا بلفظ: «ليس من ليلةٍ إلا والبحرُ يُشرِف فيها ثلاث مرَّاتٍ على الأرض يستأذن الله في أن ينفضخ عليهم، فيكفُّه الله ﷿». وأخرجه إسحاق أيضًا في «مسنده» (المطالب العالية: ٢٠٤٣). وإسناده ضعيف، فيه رجلٌ مبهم لم يُسمَّ. انظر: «مسند فاروق» (٢/ ٥٨٧) و«الضعيفة» (٤٣٩٢) ..
53

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي