سبحانه يحبُّ التوَّابين١ ويفرح بتوبتهم أعظم فرحٍ وأكملَه. فكلّما طالع العبد منَّته سبحانه٢ قبل الذَّنب، وفي حال مواقعة الذنب، وبعد الذنب٣، وبرَّه به وحلمه عنه، وإحسانه إليه= هاجت من قلبه لواعج محبّته والشّوق إلى لقائه، فإنَّ القلوب مجبولةٌ على حبِّ من أحسن إليها، وأيُّ إحسانٍ أعظم من إحسان من يبارزه العبد بالمعاصي وهو يمدُّه بنعمه، ويعامله بألطافه، ويسبل عليه ستره، ويحفظه من خطفات أعدائه المترقِّبين له أدنى عثرةٍ ينالون منه بها بغيتهم، ويردُّهم عنه، ويحول بينهم وبينه؟ وهو في ذلك كلِّه بعَينه، يراه ويطَّلع عليه، فالسَّماء تستأذن ربَّها أن تحصبه، والأرض تستأذنه أن تخسف به، والبحر يستأذنه أن يغرقه، كما في «مسند الإمام أحمد ﵁»٤
عن النبيِّ ﷺ: «ما من يومٍ إلّا والبحر يستأذن ربَّه أن يغرق بني آدم، والملائكة تستأذنه أن تعاجله وتهلكه، والرّبُّ تعالى يقول: دعوا عبدي، فأنا أعلم به إذ
(١) زِيد في ش: «ويحب المتطهرين».
(٢) في ع زيادة: «عليه».
(٣) ع: «وفي حال مواقعته وبعده».
(٤) ليس فيه هذا اللفظ الطويل الذي ذكره، ولعله كان في كتاب «الزهد» لأحمد (وليس في القدر المطبوع منه) فتوهَّم أنه في «مسنده»، لاسيما أن لفظه بهذا التمام أشبه بمواعظ التابعين والإسرائيليات منه بالأحاديث المسندة. وإنما الذي في «المسند» (٣٠٣) هو حديث عمر مرفوعًا بلفظ: «ليس من ليلةٍ إلا والبحرُ يُشرِف فيها ثلاث مرَّاتٍ على الأرض يستأذن الله في أن ينفضخ عليهم، فيكفُّه الله ﷿». وأخرجه إسحاق أيضًا في «مسنده» (المطالب العالية: ٢٠٤٣). وإسناده ضعيف، فيه رجلٌ مبهم لم يُسمَّ. انظر: «مسند فاروق» (٢/ ٥٨٧) و«الضعيفة» (٤٣٩٢) ..
أنشأته من الأرض، إن كان عبدكم فشأنكم به، وإن كان عبدي فمنِّي إلى١ عبدي، وعزَّتي وجلالي إن أتاني ليلًا قبلته، وإن أتاني نهارًا قبلته، وإن تقرَّب منِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا، وإن تقرّب منِّي ذراعًا تقرَّبت منه باعًا، وإن مشى إليّ هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني أقلته، وإن تاب إليَّ تبت عليه؛ من أعظم منِّي جودًا وكرمًا وأنا الجواد الكريم؟ عبيدي يبيتون يبارزوني٢ بالعظائم وأنا أكلؤهم في مضاجعهم وأحرسهم على فرشهم، مَن أقبل إليَّ تلقَّيته من بعيدٍ، ومن ترك لأجلي أعطيتُه فوق المزيد، ومن تصرَّف بحولي وقوَّتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردتُ ما يريد، أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقنِّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهِّرهم من المعايب».
ولنقتصر على هذا القدر من ذكر التَّوبة وأحكامها وثمراتها، فإنّه ما أطيل الكلامُ فيها إلّا لفرط الحاجة والضرورة إلى معرفتها، ومعرفة أحكامها وتفاصيلها ومسائلها، والله الموفِّق لمراعاة٣ ذلك والقيام به عملًا وحالًا كما وفَّق له علمًا ومعرفةً، فما خاب من توكَّل عليه ولاذ به ولجأ إليه، ولا حول ولا قوَّة إلّا بالله.
✽ ✽ ✽
(١) في طبعتي الفقي والصميعي: «وإليَّ» خلافًا للنسخ.