مدارج السالكين

أنشأته من الأرض، إن كان عبدكم فشأنكم به، وإن كان عبدي فمنِّي إلى١ عبدي، وعزَّتي وجلالي إن أتاني ليلًا قبلته، وإن أتاني نهارًا قبلته، وإن تقرَّب منِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا، وإن تقرّب منِّي ذراعًا تقرَّبت منه باعًا، وإن مشى إليّ هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني أقلته، وإن تاب إليَّ تبت عليه؛ من أعظم منِّي جودًا وكرمًا وأنا الجواد الكريم؟ عبيدي يبيتون يبارزوني٢ بالعظائم وأنا أكلؤهم في مضاجعهم وأحرسهم على فرشهم، مَن أقبل إليَّ تلقَّيته من بعيدٍ، ومن ترك لأجلي أعطيتُه فوق المزيد، ومن تصرَّف بحولي وقوَّتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردتُ ما يريد، أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقنِّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهِّرهم من المعايب».

ولنقتصر على هذا القدر من ذكر التَّوبة وأحكامها وثمراتها، فإنّه ما أطيل الكلامُ فيها إلّا لفرط الحاجة والضرورة إلى معرفتها، ومعرفة أحكامها وتفاصيلها ومسائلها، والله الموفِّق لمراعاة٣ ذلك والقيام به عملًا وحالًا كما وفَّق له علمًا ومعرفةً، فما خاب من توكَّل عليه ولاذ به ولجأ إليه، ولا حول ولا قوَّة إلّا بالله.

  1. (١) في طبعتي الفقي والصميعي: «وإليَّ» خلافًا للنسخ.
  2. (٢) كذا بحذف نون الرفع تخفيفًا.
  3. (٣) ش: «لرعاية».
54

فصل

فقد علمت أنَّ من نزل في منزل التَّوبة وقام في مقامها نزل في جميع منازل الإسلام، وأنَّ التّوبة الكاملة متضمِّنةٌ لها وهي مندرجة فيها، ولكن لا بدّ من إفرادها بالذِّكر والتّفصيل تبيينًا لحقائقها وخواصِّها وشروطها.

فإذا استقرّت قدمه في منزل التّوبة نزل بعده منزل الإنابة، وقد أمر به تعالى١ في كتابه، وأثنى على خليله به، فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤]، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥].

وأخبر أنّ آياته إنّما يتبصّر بها ويتذكّر أهل الإنابة فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ٦ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ٧ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦ - ٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ وَيُنزِلُ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ﴾ [غافر: ١٣].

وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٣٠ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١]، و﴿مُنِيبِينَ﴾ منصوبٌ على الحال من الضّمير المستكنِّ في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾، لأنّ هذا الخطاب له ولأمَّته، أي: أقم وجهك أنت وأمّتك منيبين إليه، نظيره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، ويجوز أن يكون حالًا من المفعول في قوله ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

  1. (١) ع: «أمر الله تعالى به».
55

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي