فقد علمت أنَّ من نزل في منزل التَّوبة وقام في مقامها نزل في جميع منازل الإسلام، وأنَّ التّوبة الكاملة متضمِّنةٌ لها وهي مندرجة فيها، ولكن لا بدّ من إفرادها بالذِّكر والتّفصيل تبيينًا لحقائقها وخواصِّها وشروطها.
فإذا استقرّت قدمه في منزل التّوبة نزل بعده منزل الإنابة، وقد أمر به تعالى١ في كتابه، وأثنى على خليله به، فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾[الزمر: ٥٤]، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾[هود: ٧٥].
وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٣٠ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾[الروم: ٣٠ - ٣١]، و﴿مُنِيبِينَ﴾ منصوبٌ على الحال من الضّمير المستكنِّ في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾، لأنّ هذا الخطاب له ولأمَّته، أي: أقم وجهك أنت وأمّتك منيبين إليه، نظيره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾[الطلاق: ١]، ويجوز أن يكون حالًا من المفعول في قوله ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾
(١) ع: «أمر الله تعالى به».
أي: فطرهم منيبين إليه، فلو خُلُّوا وفِطَرَهم لما عَدَلتْ عن الإنابة إليه، ولكنَّها تُحوَّل وتغيَّر عمَّا فطرت عليه، كما قال ﷺ: «ما من مولودٍ إلّا يولد على هذه الملَّة١ حتى يُعرِب عنه لسانُه»٢.
وقال عن نبيِّه داود ﵇: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ٢٤﴾[ص: ٢٤].
وأخبر سبحانه أنَّ البشرى منه إنّما هي لأهل الإنابة فقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾[الزمر: ١٧].
والإنابة إنابتان: إنابة لربوبيّته، وهي إنابة المخلوقات كلِّها، يشترك فيها المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾[الروم: ٣٣]، فهذا عامٌّ في حقِّ كلِّ داعٍ أصابه ضرٌّ، كما هو الواقع، وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام، بل تجامع الشِّرك والكفر، كما قال تعالى في حقِّ هؤلاء: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ٣٣ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾[الروم: ٣٣ - ٣٤] فهذا حالهم بعد إنابتهم.
(١) السياق في ع: «على الفطرة ــ وفي رواية: على الملة ــ».
(٢) أخرجه أحمد (٧٤٤٥)، ومسلم (٢٦٥٨/ ٢٣) من حديث أبي هريرة بنحوه. وأخرجه أيضًا أحمد (١٥٥٨٩)، وأبو يعلى (٩٤٢)، وابن حبان (١٣٢) وغيرهم من حديث الأسود بن سَريع بنحوه.