مدارج السالكين

وكذلك الرُّجوع إليه بالوفاء بعهده؛ كما رجعت إليه عند أخذ العهد عليك، فرجعت إليه بالدُّخول تحت عهده أوَّلًا= فعليك بالرُّجوع بالوفاء بما عاهدته عليه ثانيًا.

والدِّين كلُّه عهدٌ ووفاءٌ، فإنَّ الله أخذ عهده على جميع المكلَّفين بطاعته، فأخذ عهده على أنبيائه ورسله على لسان ملائكته، أو منه إلى الرسول بلا واسطةٍ كما كلَّم موسى، وأخذ عهده على الأمم بواسطة الرُّسل، وأخذ عهده على الجهَّال بواسطة العلماء، فأخذ عهده على هؤلاء بالتعليم، وعلى هؤلاء بالتعلُّم، ومدَحَ المُوفِين بعهده، وأخبرهم بما لهم عنده من الأجر فقال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]١، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهذا يتناول عهودهم مع الله بالوفاء له بالإخلاص والإيمان والطَّاعة، وعهودهم مع الخلق.

وأخبر النبيُّ ﷺ أنَّ من علامات النِّفاق الغدرَ بعد العهد٢.

فما أناب إلى الله من خان عهده وغدر به، كما أنَّه لم يُنِب٣ إليه من لم يدخل تحت عهده، فالإنابة لا تتحقَّق إلَّا بالتزام العهد والوفاء به.

  1. (١) في م مكان هذه الآية: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]
  2. (٢) كما في حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨).
  3. (٣) ظاهر النقط في الأصل ول: «يتُب»، والمثبت من سائر النسخ هو الصواب.
58

وقوله: (والرُّجوع إليه حالًا، كما رجعت١ إليه إجابةً)، أي: هو سبحانه قد دعاك فأجبتَه بلبَّيك وسعديك قولًا، فلا بدَّ من الإجابة حالًا تصدِّق به المقال، فإنَّ الأحوال تصدِّق الأقوال أو تكذِّبها، وكلُّ قولٍ فلصدقه وكذبه شاهدٌ من حال قائله؛ فكما رجعت إليه إجابةً بالمقال، فارجِعْ إليه إجابةً بالحال. قال الحسن ﵀: ابنَ آدم، لك قولٌ وعملٌ، وعملك أولى بك من قولك؛ ولك سريرةٌ وعلانيةٌ، وسريرتك أَمْلَكُ بك من علانيتك٢.

فصل

قال٣: (وإنَّما يستقيم الرُّجوع إليه إصلاحًا بثلاثة أشياء: بالخروج من التّبعات، والتّوجُّع للعثرات، واستدراك الفائتات).

(الخروج من التّبعات) هو بالتَّوبة من الذُّنوب التي بين العبد وبين الله تعالى، وأداءِ الحقوق التي عليه للخلق.

(والتّوجُّع للعثرات) يحتمل شيئين:

أحدهما: أن يتوجَّع لعثرته إذا عثر، فيتوجَّع قلبه وينصدع، فهذا دليلٌ على إنابته إلى الله، بخلاف من لا٤ يتألَّم قلبه ولا ينصدع من عثرته، فإنّه دليلُ فساد قلبه وموته.

  1. (١) كذا هنا، ولفظ «المنازل» كما سبق قريبًا: «رجع».
  2. (٢) أسنده ابن المبارك في «الزهد» (٧٧) ــ ومن طريقه ابن أبي الدنيا في «الصمت» (٦٢٩) ــ والإمام أحمد في «الزهد» (ص ٣٤٣) من طريقين عن الحسن بنحوه.
  3. (٣) «منازل السائرين» (ص ١٣).
  4. (٤) م، ع: «لم».
59

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي