مدارج السالكين

وقوله: (والرُّجوع إليه حالًا، كما رجعت١ إليه إجابةً)، أي: هو سبحانه قد دعاك فأجبتَه بلبَّيك وسعديك قولًا، فلا بدَّ من الإجابة حالًا تصدِّق به المقال، فإنَّ الأحوال تصدِّق الأقوال أو تكذِّبها، وكلُّ قولٍ فلصدقه وكذبه شاهدٌ من حال قائله؛ فكما رجعت إليه إجابةً بالمقال، فارجِعْ إليه إجابةً بالحال. قال الحسن ﵀: ابنَ آدم، لك قولٌ وعملٌ، وعملك أولى بك من قولك؛ ولك سريرةٌ وعلانيةٌ، وسريرتك أَمْلَكُ بك من علانيتك٢.

فصل

قال٣: (وإنَّما يستقيم الرُّجوع إليه إصلاحًا بثلاثة أشياء: بالخروج من التّبعات، والتّوجُّع للعثرات، واستدراك الفائتات).

(الخروج من التّبعات) هو بالتَّوبة من الذُّنوب التي بين العبد وبين الله تعالى، وأداءِ الحقوق التي عليه للخلق.

(والتّوجُّع للعثرات) يحتمل شيئين:

أحدهما: أن يتوجَّع لعثرته إذا عثر، فيتوجَّع قلبه وينصدع، فهذا دليلٌ على إنابته إلى الله، بخلاف من لا٤ يتألَّم قلبه ولا ينصدع من عثرته، فإنّه دليلُ فساد قلبه وموته.

  1. (١) كذا هنا، ولفظ «المنازل» كما سبق قريبًا: «رجع».
  2. (٢) أسنده ابن المبارك في «الزهد» (٧٧) ــ ومن طريقه ابن أبي الدنيا في «الصمت» (٦٢٩) ــ والإمام أحمد في «الزهد» (ص ٣٤٣) من طريقين عن الحسن بنحوه.
  3. (٣) «منازل السائرين» (ص ١٣).
  4. (٤) م، ع: «لم».
59

الثاني: أن يتوجَّع لعثرة أخيه المؤمن إذا عثر، حتَّى كأنَّه هو الذي١ عثر بها، ولا يَشْمَت به، فهو دليلٌ على رقّة قلبه وإنابته.

(واستدراك الفائتات) هو استدراك ما فاته من طاعةٍ وقربةٍ بأمثالها أو خيرٍ منها، ولاسيّما في بقيَّة عمره عند قرب رحيله إلى الله تعالى، فبقيَّة عمر المؤمن لا قيمة لها٢، يستدرك بها ما فات، ويُحيي بها ما أمات.

فصل

قال٣: (وإنَّما يستقيم الرُّجوع إليه وفاءً٤ بثلاثة أشياء: بالخلاص من لذَّة الذّنب، وبترك٥ الاستهانة بأهل الغفلة تخوُّفًا عليهم مع الرَّجاء لنفسك، وبالاستقصاء في رؤية علَّة٦ الخدمة).

إذا صَفَتْ له الإنابةُ إلى ربِّه تخلَّص من الفكرة في لذَّة الذنب، وعاد٧

  1. (١) «الذي» ساقطة من ع.
  2. (٢) أي: هي فوق أن يقدَّر لها ثَمَن، لعزَّتها وعِظَم خطرها. وبهذا المعنى أيضًا سيأتي (٤/ ١٧) في قوله: «... فتصير أوقاته التي هي مادَّة حياته ــ ولا قيمة لها ــ مستغرقةً في قضاء حوائجهم ...». وانظر: «الروح» (ص ٦٣٣) و«الداء والدواء» (ص ٨١).
  3. (٣) «منازل السائرين» (ص ١٣).
  4. (٤) في جميع النسخ: «عهدًا» إلا أنه ضرب عليه في ل وكتب مكانه ما أثبتناه، وهو لفظ «المنازل»، وقد سبق (ص ٥٧) على الصواب في مطلع كلام صاحب «المنازل» على منزلة «الإنابة» وأنها تكون بثلاثة أشياء، ثانيها: «الرجوع إليه وفاءً».
  5. (٥) ل: «وترك».
  6. (٦) لفظ «المنازل»: «علل»، وهو الذي سيأتي في كلام المؤلف قريبًا.
  7. (٧) ل: «وأعاد».
60

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي