مدارج السالكين

الثاني: أن يتوجَّع لعثرة أخيه المؤمن إذا عثر، حتَّى كأنَّه هو الذي١ عثر بها، ولا يَشْمَت به، فهو دليلٌ على رقّة قلبه وإنابته.

(واستدراك الفائتات) هو استدراك ما فاته من طاعةٍ وقربةٍ بأمثالها أو خيرٍ منها، ولاسيّما في بقيَّة عمره عند قرب رحيله إلى الله تعالى، فبقيَّة عمر المؤمن لا قيمة لها٢، يستدرك بها ما فات، ويُحيي بها ما أمات.

فصل

قال٣: (وإنَّما يستقيم الرُّجوع إليه وفاءً٤ بثلاثة أشياء: بالخلاص من لذَّة الذّنب، وبترك٥ الاستهانة بأهل الغفلة تخوُّفًا عليهم مع الرَّجاء لنفسك، وبالاستقصاء في رؤية علَّة٦ الخدمة).

إذا صَفَتْ له الإنابةُ إلى ربِّه تخلَّص من الفكرة في لذَّة الذنب، وعاد٧

  1. (١) «الذي» ساقطة من ع.
  2. (٢) أي: هي فوق أن يقدَّر لها ثَمَن، لعزَّتها وعِظَم خطرها. وبهذا المعنى أيضًا سيأتي (٤/ ١٧) في قوله: «... فتصير أوقاته التي هي مادَّة حياته ــ ولا قيمة لها ــ مستغرقةً في قضاء حوائجهم ...». وانظر: «الروح» (ص ٦٣٣) و«الداء والدواء» (ص ٨١).
  3. (٣) «منازل السائرين» (ص ١٣).
  4. (٤) في جميع النسخ: «عهدًا» إلا أنه ضرب عليه في ل وكتب مكانه ما أثبتناه، وهو لفظ «المنازل»، وقد سبق (ص ٥٧) على الصواب في مطلع كلام صاحب «المنازل» على منزلة «الإنابة» وأنها تكون بثلاثة أشياء، ثانيها: «الرجوع إليه وفاءً».
  5. (٥) ل: «وترك».
  6. (٦) لفظ «المنازل»: «علل»، وهو الذي سيأتي في كلام المؤلف قريبًا.
  7. (٧) ل: «وأعاد».
60

مكانها ألمًا وتوجُّعًا لذكره والفكرة فيه، فما دامت لذَّة الفكر١ فيه موجودةً في قلبه فإنابته غير صافيةٍ.

فإن قيل: أيُّ الحالين أعلى: حال من يجد لذَّة الذنب في قلبه فهو يجاهدها لله ويتركها من خوفه ومحبَّته وإجلاله، أو حال من ماتت لذّة الذنب في قلبه وصار مكانها ألمًا وتوجُّعًا وطمأنينةً إلى ربِّه وسكونًا إليه والتذاذًا بحبِّه وتنعُّمًا بذكره؟

قيل: حال هذا أرفع وأكمل، وغاية صاحب المجاهدة أن يجاهد نفسه حتَّى يصل إلى مقام هذا ومنزلته، ولكنَّه تاليه في المنزلة والقربِ ومنوطٌ به.

فإن قيل: فأين أجر مجاهدة صاحب اللَّذَّة، وتركِه محابَّه لله، وإيثارِه رضى الله على هواه؟ وبهذا كان النوع الإنسانيُّ أفضل من النّوع الملكيِّ عند أهل السنَّة٢ وكانوا خيرَ البريَّة، والمطمئنُّ قد استراح من٣ هذه المجاهدة وعُوفي منها، فبينهما من التَّفاوت ما بين درجة المعافى والمُبتلى.

قيل: النّفس لها ثلاثة أحوالٍ: الأمر بالذَّنب، ثمَّ اللَّوم عليه والنَّدم منه، ثمَّ الطُّمأنينة إلى ربِّها والإقبال بكلِّيَّتها عليه، وهذه الحال أعلى أحوالها وأرفعُها. وهي التي يشمِّر إليها المجاهد، وما يحصل له من ثواب مجاهدته وصبره فهو لتشميره إلى درجة الطُّمأنينة إلى الله، فهو بمنزلة مرتكب القِفار

  1. (١) م، ج، ن: «الفكرة».
  2. (٢) انظر هذه المسألة عند شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٥٠ - ٣٩٢) وعند المؤلف في «بدائع الفوائد» (٣/ ١١٠٤).
  3. (٣) في ع زيادة: «ألم».
61

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي