مكانها ألمًا وتوجُّعًا لذكره والفكرة فيه، فما دامت لذَّة الفكر١ فيه موجودةً في قلبه فإنابته غير صافيةٍ.
فإن قيل: أيُّ الحالين أعلى: حال من يجد لذَّة الذنب في قلبه فهو يجاهدها لله ويتركها من خوفه ومحبَّته وإجلاله، أو حال من ماتت لذّة الذنب في قلبه وصار مكانها ألمًا وتوجُّعًا وطمأنينةً إلى ربِّه وسكونًا إليه والتذاذًا بحبِّه وتنعُّمًا بذكره؟
قيل: حال هذا أرفع وأكمل، وغاية صاحب المجاهدة أن يجاهد نفسه حتَّى يصل إلى مقام هذا ومنزلته، ولكنَّه تاليه في المنزلة والقربِ ومنوطٌ به.
فإن قيل: فأين أجر مجاهدة صاحب اللَّذَّة، وتركِه محابَّه لله، وإيثارِه رضى الله على هواه؟ وبهذا كان النوع الإنسانيُّ أفضل من النّوع الملكيِّ عند أهل السنَّة٢ وكانوا خيرَ البريَّة، والمطمئنُّ قد استراح من٣ هذه المجاهدة وعُوفي منها، فبينهما من التَّفاوت ما بين درجة المعافى والمُبتلى.
قيل: النّفس لها ثلاثة أحوالٍ: الأمر بالذَّنب، ثمَّ اللَّوم عليه والنَّدم منه، ثمَّ الطُّمأنينة إلى ربِّها والإقبال بكلِّيَّتها عليه، وهذه الحال أعلى أحوالها وأرفعُها. وهي التي يشمِّر إليها المجاهد، وما يحصل له من ثواب مجاهدته وصبره فهو لتشميره إلى درجة الطُّمأنينة إلى الله، فهو بمنزلة مرتكب القِفار
(١) م، ج، ن: «الفكرة».
(٢) انظر هذه المسألة عند شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٥٠ - ٣٩٢) وعند المؤلف في «بدائع الفوائد» (٣/ ١١٠٤).
(٣) في ع زيادة: «ألم».
والمَهامِهِ١ والأَهوال ليصل إلى البيت فيطمئنَّ قلبه برؤيته والطَّواف به. والآخَرُ٢ بمنزلة من هو مشغولٌ به طائفًا وقائمًا، وراكعًا وساجدًا، ليس له التفاتٌ إلى غيره؛ فهذا مشغول بالغاية، وذاك بالوسيلة، وكلٌّ له أجر، ولكن بين أجر الغايات وأجر الوسائل بَونٌ.
وما يحصل للمطمئنِّ من الأحوال والعبوديَّة والإيمان فوق ما يحصل لهذا المجاهد نفسَه في ذات الله تعالى وإن كان أكثرَ عملًا، فقدر عمل المطمئنِّ المنيب بجملته وكيفيَّته أعظم وإن كان هذا المجاهد أكثر عملًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فما سبق الصِّدِّيق الصّحابةَ بكثرة عملٍ، وفيهم٣ من هو أكثر صيامًا وحجًّا وقراءةً وصلاةً منه، ولكن بأمرٍ آخر قام بقلبه، حتّى إنَّ أفضل الصّحابة٤ يسابقه٥ ولا يراه إلَّا أمامه٦.
ولكن عبوديّة مجاهدٍ نفسَه على لذَّة الذَّنب والشَّهوة قد تكون أشقّ، ولا يلزم من مشقَّتها تفضيلُها في الدَّرجة، فأفضل الأعمال الإيمان بالله، والجهاد
(١) المَهامِه: جمع المَهْمَه، وهي المفازة البعيدة.
(٢) في الأصل وغيره: «والمتأخر»، ولعل المثبت من ع أشبه.
(٣) م: «ومنهم». ج، ن: «وبينهم».
(٤) أُلحق هنا في هامش ش مصححًا عليه: «بعده»، ورمز له بـ «ظ»، أي: الظاهر عند الناسخ صحة هذه الزيادة ليستقيم المعنى.
(٥) ع: «كان يسابقه».
(٦) لعله يشير إلى قصة عمر المشهورة معه في المسابقة إلى الصدقة بأكثر ما يمكنهما، وقول عمر في آخرها: «لا أسابقك إلى شيءٍ أبدًا». أخرجها أبو داود (١٦٧٨) والترمذي (٣٦٧٥) والدارمي (١٧٠١) والحاكم (١/ ٤١٤) والضياء في «المختارة» (١/ ١٧٣، ١٧٤) بإسناد حسن.