مدارج السالكين

والمَهامِهِ١ والأَهوال ليصل إلى البيت فيطمئنَّ قلبه برؤيته والطَّواف به. والآخَرُ٢ بمنزلة من هو مشغولٌ به طائفًا وقائمًا، وراكعًا وساجدًا، ليس له التفاتٌ إلى غيره؛ فهذا مشغول بالغاية، وذاك بالوسيلة، وكلٌّ له أجر، ولكن بين أجر الغايات وأجر الوسائل بَونٌ.

وما يحصل للمطمئنِّ من الأحوال والعبوديَّة والإيمان فوق ما يحصل لهذا المجاهد نفسَه في ذات الله تعالى وإن كان أكثرَ عملًا، فقدر عمل المطمئنِّ المنيب بجملته وكيفيَّته أعظم وإن كان هذا المجاهد أكثر عملًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فما سبق الصِّدِّيق الصّحابةَ بكثرة عملٍ، وفيهم٣ من هو أكثر صيامًا وحجًّا وقراءةً وصلاةً منه، ولكن بأمرٍ آخر قام بقلبه، حتّى إنَّ أفضل الصّحابة٤ يسابقه٥ ولا يراه إلَّا أمامه٦.

ولكن عبوديّة مجاهدٍ نفسَه على لذَّة الذَّنب والشَّهوة قد تكون أشقّ، ولا يلزم من مشقَّتها تفضيلُها في الدَّرجة، فأفضل الأعمال الإيمان بالله، والجهاد

  1. (١) المَهامِه: جمع المَهْمَه، وهي المفازة البعيدة.
  2. (٢) في الأصل وغيره: «والمتأخر»، ولعل المثبت من ع أشبه.
  3. (٣) م: «ومنهم». ج، ن: «وبينهم».
  4. (٤) أُلحق هنا في هامش ش مصححًا عليه: «بعده»، ورمز له بـ «ظ»، أي: الظاهر عند الناسخ صحة هذه الزيادة ليستقيم المعنى.
  5. (٥) ع: «كان يسابقه».
  6. (٦) لعله يشير إلى قصة عمر المشهورة معه في المسابقة إلى الصدقة بأكثر ما يمكنهما، وقول عمر في آخرها: «لا أسابقك إلى شيءٍ أبدًا». أخرجها أبو داود (١٦٧٨) والترمذي (٣٦٧٥) والدارمي (١٧٠١) والحاكم (١/ ٤١٤) والضياء في «المختارة» (١/ ١٧٣، ١٧٤) بإسناد حسن.
62

أشقُّ منه وهو تاليه في الدرجة، ودرجة الصِّدِّيقين أعلى من درجة المجاهدين والشُّهداء، وفي «مسند الإمام أحمد ﵀»١ من حديث عبد الله بن مسعودٍ ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ ذُكر عنده الشُّهداء فقال: «إنَّ أكثر شهداء أمّتي لأصحابُ الفرش، ورُبَّ قتيلٍ بين الصَّفَّين اللهُ أعلم بنيَّته».

فصل

ومن علامات الإنابة تركُ الاستهانة بأهل الغفلة والخوفِ عليهم مع فتحك بابَ الرَّجاء لنفسك، فترجو لنفسك الرّحمة وتخشى على أهل الغفلة النِّقمة، ولكن ارجُ لهم الرّحمة واخشَ على نفسك النِّقمة٢، فإن كنت لا بدَّ مستهينًا بهم ماقتًا لهم لانكشاف أحوالهم لك ورؤية ما هم عليه، فكن لنفسك أشدَّ مقتًا منك لهم، وكن لهم أرجى لرحمة الله منك لنفسك.

قال بعض السَّلف: لن تفقه كلَّ الفقه حتَّى تمقت الخلق٣ في ذات الله، ثمّ تُقبل على٤ نفسك فتكون لها أشدَّ مقتًا٥.

  1. (١) برقم (٣٧٧٢)، وقد أُعلَّ بابن لهيعة وبجهالة «أبي محمد» الراوي عن ابن مسعود. فأمَّا العلّة الأولى فمدفوعة بمتابعة الليث بن سعد له عند ابن أبي شيبة في «مسنده» (٤٠٣)، وأما الثانية فبأن الراوي عن أبي محمد قد وصفه بأنه كان من أصحاب ابن مسعود»، والأصل في أصحابه أنهم كلهم ثقات. وعليه فإسناده حسن إن شاء الله.
  2. (٢) «ولكن ... النقمة» سقط من ج، ن لانتقال النظر.
  3. (٣) ع: «الناس».
  4. (٤) ع: «ترجع إلى».
  5. (٥) رُوي عن أبي الدرداء ﵁. أخرجه معمر في «جامعه» (٢٠٤٧٣) وابن أبي شيبة (٣٥٧٢٦) وأحمد في «الزهد» (ص ١٦٧) وكذا أبو داود (٢٤٢) وغيرهم من طريق أيوب عن أبي قلابة عنه، وهو مرسل لأن أبا قلابة لم يُدرك أبا الدرداء، إلا أن يكون حدَّثته بذلك أم الدرداء (الصغرى) فإن له نظائر.
63

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي