مدارج السالكين

وهذا الكلام لا يعلم معناه إلَّا الفقيه في دين الله تعالى، فإنّ من شهد حقيقة الخلق وعجزَهم وضعفَهم وتقصيرَهم، بل تفريطَهم وإضاعتَهم لحقِّ الله وإقبالَهم على غيره، وبيعَهم حظَّهم من الله بأبخس الثَّمن من هذا العاجل الفاني= لم يجد بدًّا من مقتهم، ولم يمكنه غير ذلك البتَّة، ولكن إذا رجع إلى نفسه وحاله وتقصيره، وكان على بصيرةٍ من ذلك= كان لنفسه أشدَّ مقتًا واستهانةً؛ فهذا هو الفقيه.

وأمَّا (الاستقصاء في رؤية علل الخدمة)١ فهو التّفتيش عمَّا يشوبها من حظوظ النفس، وتمييز حقِّ الربِّ منها من حظِّ النّفس، ولعلَّ أكثرها أو كلَّها أن تكون حظًّا لنفسك وأنت لا تشعر.

فلا إله إلَّا الله، كم في النُّفوس من عللٍ وأغراضٍ وحظوظٍ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصةً وأن تصل إليه! وإنَّ العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشرٌ البتَّة وهو غير خالصٍ لله، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقًا وهو خالصٌ لوجه الله، ولا يميِّز هذا من هذا إلَّا أهلُ البصائر وأطبَّاء القلوب العالمون بأدوائها وعللها.

فبين العمل وبين القلب مسافة، وفي تلك المسافة قطَّاعٌ تمنع وصول العمل إلى القلب، فيكون الرجل كثيرَ العمل وما وصل منه إلى قلبه محبّةٌ ولا خوفٌ ولا رجاءٌ، ولا زهدٌ في الدُّنيا ورغبةٌ في الآخرة، ولا نورٌ يفرِّق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحقِّ والباطل، ولا قوَّةٌ في أمره. فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق، ورأى الحقَّ والباطل، وميَّز بين أولياء الله

  1. (١) الخدمة: حقُّ العبودية وأدبها وواجبها، كما سيأتي في كلام المؤلف (ص ١٧٣).
64

وأعدائه، فأوجب١ له ذلك المزيد من الأحوال.

ثمَّ بين القلب وبين الرّبِّ مسافة، وعليها قطَّاعٌ تمنع وصول العمل إليه، من كبرٍ وإعجابٍ وإدلالٍ، ورؤية العمل ونسيان المنَّة، وعللٍ خفيَّةٍ لو استقصى في طلبها لرأى العجب، ومن رحمة الله سَتْرُها على أكثر العُمَّال، إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشدُّ منها، من اليأس والقنوط، والاستحسار وترك العمل، وخمود العزم وفتور الهمَّة. ولهذا لمّا ظهرت «رعاية أبي عبد الله الحارث بن أسدٍ المحاسبيِّ»٢ واشتغل بها العبَّاد عطِّلت منهم مساجد كانوا يَعْمُرونها بالعبادة. والطّبيب الحاذق يعلم كيف يَطُبُّ النُّفوس، فلا يعمر قصرًا ويهدم مصرًا.

فصل

قال٣: (وإنّما يستقيم الرُّجوع إليه حالًا بثلاثة أشياء: بالإياس من عملك، وبمعاينة٤ اضطرارك، وشَيْم برقِ لطفه بك).

الإياس من العمل يفسَّر بشيئين:

  1. (١) ل، ج، ن، ع: «وأوجب».
  2. (٢) وهو مطبوع. ألَّفه جوابًا لمن سأله عن الرعاية لحقوق الله ﷿ والقيام بها. وقد فصَّل فيه في ذكر الآفات التي تعرض للعلم والعمل تفصيلًا مطوَّلًا حيث عقد أبوابًا كثيرة في الرياء والعجب والغِرَّة (أي: الاغترار) وأسبابها وصورها وعلاماتها وأحوال الناس فيها، مما قد يجعل القارئ تفتر همَّته ويترك العمل مخافة الوقوع في تلك الآفات.
  3. (٣) «منازل السائرين» (ص ١٣).
  4. (٤) ج، ن: «ومعاينة»، وهو لفظ «المنازل»، والمثبت من سائر النسخ موافق للفظ المتن في «شرح التلمساني» (ص ٧٩).
65

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي