مدارج السالكين

وأمّا (شَيْم برق لطفه بك)، فإنَّه إذا تحقَّق له قوَّةُ ضرورتِه١، وأيس من عمله والنَّجاة به= نظر إلى ألطاف الله وشام برقها، وعلم أنَّ كلَّ ما هو فيه وما يرجوه وما تقدَّم له لطفٌ من الله به، ومنَّةٌ منَّ بها عليه، وصدقةٌ تصدَّق بها عليه بلا سببٍ منه، إذ هو المحسن بالسَّبب والمسبَّب، والأمر له من قبل ومن بعد، وهو الأوّل والآخر، لا إله غيره، ولا ربّ سواه.

  1. (١) ج، ن: «قوة وضرورية»، وفي ع والنسخ المطبوعة: «قوة ضروريَّة»، كلاهما خطأ.
67

فصل

ثمّ ينزل القلب منزل التّذكُّر وهو قرين الإنابة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ﴾ [غافر: ١٣]، وقال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨].

وهو من خواصِّ أولي الألباب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ١ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩].

والتّذكُّر والتّفكُّر منزلان يُثمران أنواع المعارف وحقائقَ الإيمان والإحسان، فالعارف لا يزال يعود بتفكُّره على تذكُّره، وتذكُّره٢ على تفكُّره، حتّى يفتح قفل قلبه بإذن الفتَّاح العليم. قال الحسن البصريُّ ﵁: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكُّر على التفكُّر، وبالتفكُّر على التذكُّر، ويناطقون القلوب حتّى نطقت٣.

قال صاحب «المنازل» ﵀٤: (التذكُّر فوق التفكُّر، لأنَّ التفكُّر طلب، والتذكُّر وجود).

يريد أنّ التّفكُّر التماس الغايات من مباديها، كما قال٥: (التفكُّر تلمُّس

  1. (١) في الأصل، ل، ش، ج: «يتذكر»، سهو. وإنما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩، الزمر: ٩].
  2. (٢) ج، ن: «بتذكُّره».
  3. (٣) أخرجه الدينَوَري في «المجالسة» (٢٦٧٢) وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١٩) بنحوه.
  4. (٤) (ص ١٥).
  5. (٥) «منازل السائرين» (ص ١٣)، ولفظه: «لاستدراكِ البغية».
68

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي