مدارج السالكين

البصيرة واستدراك البغية).

وأمَّا قوله: (التذكُّر وجودٌ) لأنه يكون فيما قد حصل بالتفكُّر ثمَّ غاب عنه بالنِّسيان، فإذا تذكَّره وجده وظفر به. والتذكُّر تفعُّلٌ من الذِّكر، وهو ضدُّ النِّسيان، وهو حضور صورة المذكور العلميَّة في القلب، واختير له بناء التفعُّل لحصوله بعد مهلةٍ وتدريج، كالتبصُّر والتفهُّم والتعلُّم.

فمنزلة التذكُّر من التفكُّر منزلة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عليه، ولهذا كانت آيات الله المتلوَّة والمشهودة ذكرى، كما قال في المتلوَّة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ٥٣ هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر: ٥٣ - ٥٤]، وقال عن القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ [الحاقة: ٤٨]. وقال في آياته المشهودة: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ٦ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ٧ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦ - ٨]، فالتَّبصرة آلة البصر١، والتَّذكرة٢ آلة الذِّكر٣، وقُرن بينهما وجُعلا لأهل الإنابة، لأنه إذا أناب إلى الله أبصر مواقع الآيات والعبر، فاستدلَّ بها على ما هي آياتٌ له، فزال عنه الإعراض بالإنابة، والعمى بالتبصرة، والغفلة بالتذكرة، لأنَّ التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها، فترتَّبت٤ المنازل الثلاثة أحسنَ

  1. (١) ش، ج، ن: «التبصُّر».
  2. (٢) كذا في عامَّة النسخ، وفي ش: «الذكرى» وفاقًا للفظ الآية، وهو أولى لأن الكلام عليها.
  3. (٣) ش، ج، ن: «التذكُّر».
  4. (٤) غير محرّر النقط في الأصل، يشبه: «فترتيب».
69

ترتيبٍ، ثمَّ إنَّ كلًّا منها يمدُّ صاحبه ويقوِّيه ويثمره.

وقال تعالى في آياته المشهودة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ٣٦ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٦].

والنّاس ثلاثة: رجلٌ قلبه ميِّتٌ، فذلك الذي لا قلب له، فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقِّه.

الثاني: رجلٌ له قلبٌ حيٌّ مستعدٌّ، لكنّه غير مستمعٍ للآيات المتلوَّة التي يُخبَر بها عن الآيات المشهودة، إمّا لعدم ورودها، أو لوصولها إليه ولكنّ قلبه مشغولٌ عنها بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضرًا، فهذا أيضًا لا تحصل له الذِّكرى مع استعداده ووجود قلبه.

والثالث: رجلٌ حيُّ القلب مستعدٌّ، تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه، وألقى السّمع وأحضر قلبه، ولم يَشغَله بغير فهم ما يسمعه، فهو شاهد القلب ملقٍ السمعَ، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوّة والمشهودة.

فالأوَّل بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر، والثاني بمنزلة البصير الطَّامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يراه. والثّالث بمنزلة البصير الذي قد حدَّق إلى جهة المنظور إليه وأتبعه بصره، وقابله على توسُّطٍ من البعد والقرب، فهذا هو الذي يراه. فسبحان من جعل كلامه شفاءً لما في الصُّدور.

فإن قيل: فما موقع ﴿أَوْ﴾ من هذا النظم على ما قرّرت؟

قيل: فيها سرٌّ لطيفٌ، ولسنا نقول: إنَّها بمعنى الواو، كما يقوله ظاهريَّة النُّحاة.

70

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي