مدارج السالكين

ترتيبٍ، ثمَّ إنَّ كلًّا منها يمدُّ صاحبه ويقوِّيه ويثمره.

وقال تعالى في آياته المشهودة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ٣٦ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٦].

والنّاس ثلاثة: رجلٌ قلبه ميِّتٌ، فذلك الذي لا قلب له، فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقِّه.

الثاني: رجلٌ له قلبٌ حيٌّ مستعدٌّ، لكنّه غير مستمعٍ للآيات المتلوَّة التي يُخبَر بها عن الآيات المشهودة، إمّا لعدم ورودها، أو لوصولها إليه ولكنّ قلبه مشغولٌ عنها بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضرًا، فهذا أيضًا لا تحصل له الذِّكرى مع استعداده ووجود قلبه.

والثالث: رجلٌ حيُّ القلب مستعدٌّ، تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه، وألقى السّمع وأحضر قلبه، ولم يَشغَله بغير فهم ما يسمعه، فهو شاهد القلب ملقٍ السمعَ، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوّة والمشهودة.

فالأوَّل بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر، والثاني بمنزلة البصير الطَّامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يراه. والثّالث بمنزلة البصير الذي قد حدَّق إلى جهة المنظور إليه وأتبعه بصره، وقابله على توسُّطٍ من البعد والقرب، فهذا هو الذي يراه. فسبحان من جعل كلامه شفاءً لما في الصُّدور.

فإن قيل: فما موقع ﴿أَوْ﴾ من هذا النظم على ما قرّرت؟

قيل: فيها سرٌّ لطيفٌ، ولسنا نقول: إنَّها بمعنى الواو، كما يقوله ظاهريَّة النُّحاة.

70

فاعلم أنَّ الرجل قد يكون له قلبٌ وقَّادٌ، مليءٌ باستخراج العبر واستنباط الحِكَم، فهذا قلبه يوقعه على التذكُّر والاعتبار، فإذا سمع الآيات كانت له نورًا على نورٍ، وهؤلاء أكمل خلق الله تعالى، وأعظمهم إيمانًا وبصيرةً، حتَّى كأنَّ الذي أخبرهم به الرسول قد كان١ مشاهدًا لهم لكن لم يشعروا بتفاصيله وأنواعه، حتّى قيل: إنَّ مثل حال الصِّدِّيق ﵁ مع النّبيِّ ﷺ، كمثل رجلين دخلا دارًا فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجُزويَّاتها٢، والآخر وقعت يده على ما في الدَّار ولم ير تفاصيله ولا جزويَّاته، لكن علم أنَّ فيها أمورًا عظيمةً لم يدرك بصرُه تفاصيلها، ثمَّ خرجا فسأله عمَّا رأى في الدَّار؟ فجعل كلَّما أخبره بشيءٍ صدَّقه لِما عنده من شواهده، وهذه أعلى درجات الصِّدِّيقيّة. ولا تستبعد أن يمنَّ الله المنَّان على عبدٍ بمثل هذا الإيمان، فإنَّ فضل الله لا يدخل تحت حصرٍ ولا حسبانٍ.

فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نورٌ من البصيرة ازداد بها نورًا إلى نوره. فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب، فألقى السّمع وشهد قلبُه ولم يَغِب= حصل له التذكُّر أيضًا، ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، والوابل والطّلُّ في جميع الأعمال وآثارها وموجَباتها، وأهلُ الجنَّة سابقون مقرَّبون وأصحاب يمينٍ، وبينهما في درجات التّفضيل ما بينهما، حتّى إنّ شراب أحد النّوعين الصِّرف يُطيَّب به شرابُ النَّوع الآخر ويُمزج به مزجًا.

  1. (١) «قد كان» ساقط من ع.
  2. (٢) ع: «جزويَّاته».
71

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي