فاعلم أنَّ الرجل قد يكون له قلبٌ وقَّادٌ، مليءٌ باستخراج العبر واستنباط الحِكَم، فهذا قلبه يوقعه على التذكُّر والاعتبار، فإذا سمع الآيات كانت له نورًا على نورٍ، وهؤلاء أكمل خلق الله تعالى، وأعظمهم إيمانًا وبصيرةً، حتَّى كأنَّ الذي أخبرهم به الرسول قد كان١ مشاهدًا لهم لكن لم يشعروا بتفاصيله وأنواعه، حتّى قيل: إنَّ مثل حال الصِّدِّيق ﵁ مع النّبيِّ ﷺ، كمثل رجلين دخلا دارًا فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجُزويَّاتها٢، والآخر وقعت يده على ما في الدَّار ولم ير تفاصيله ولا جزويَّاته، لكن علم أنَّ فيها أمورًا عظيمةً لم يدرك بصرُه تفاصيلها، ثمَّ خرجا فسأله عمَّا رأى في الدَّار؟ فجعل كلَّما أخبره بشيءٍ صدَّقه لِما عنده من شواهده، وهذه أعلى درجات الصِّدِّيقيّة. ولا تستبعد أن يمنَّ الله المنَّان على عبدٍ بمثل هذا الإيمان، فإنَّ فضل الله لا يدخل تحت حصرٍ ولا حسبانٍ.
فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نورٌ من البصيرة ازداد بها نورًا إلى نوره. فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب، فألقى السّمع وشهد قلبُه ولم يَغِب= حصل له التذكُّر أيضًا، ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾[البقرة: ٢٦٥]، والوابل والطّلُّ في جميع الأعمال وآثارها وموجَباتها، وأهلُ الجنَّة سابقون مقرَّبون وأصحاب يمينٍ، وبينهما في درجات التّفضيل ما بينهما، حتّى إنّ شراب أحد النّوعين الصِّرف يُطيَّب به شرابُ النَّوع الآخر ويُمزج به مزجًا.
(١) «قد كان» ساقط من ع.
(٢) ع: «جزويَّاته».
قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾[سبأ: ٦]، وكلُّ مؤمنٍ يرى هذا، ولكنّ رؤية أهل العلم لونٌ، ورؤية غيرهم له لونٌ.
قال صاحب «المنازل» ﵀١: (أبنية التذكُّر ثلاثة: الانتفاع بالعظة، والاستبصار للعبرة، والظّفر بثمرة الفكرة).
الانتفاع بالعظة: هو أن يقدح في القلب قادح الخوف والرجاء، فيتحرَّك للعمل طلبًا للخلاص من المخوف، ورغبةً في حصول المرجوِّ.
والعظة هي الأمر والنَّهي المقرون بالترغيب والترهيب.
والعظة نوعان: عظةٌ بالمسموع، وعظةٌ بالمشهود. فالعظة بالمسموع الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرُّشد والنصائح التي جاءت على يد٢ الرُّسل، وكذلك الانتفاع بالعظة من كلِّ ناصحٍ ومرشدٍ في مصالح الدِّين والدُّنيا. والعظة بالمشهود: الانتفاع بما يراه ويشهده في العالم من مواقع العِبَر وأحكام القدر ومجاريه، وما يشاهده من آيات الله الدالَّة على صدق رسله.
وأمَّا (الاستبصار للعبرة)، فهو زيادة البصيرة عمَّا كانت عليه في منزل التفكُّر بقوَّة الاستحضار، لأنَّ التذكُّر يَصْقُل المعاني التي حصلت بالتّفكُّر في مواقع الآيات والعبر، فهو يظفر بها بالتفكُّر، وتنصقل له وتنجلي بالتذكُّر،