قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾[سبأ: ٦]، وكلُّ مؤمنٍ يرى هذا، ولكنّ رؤية أهل العلم لونٌ، ورؤية غيرهم له لونٌ.
قال صاحب «المنازل» ﵀١: (أبنية التذكُّر ثلاثة: الانتفاع بالعظة، والاستبصار للعبرة، والظّفر بثمرة الفكرة).
الانتفاع بالعظة: هو أن يقدح في القلب قادح الخوف والرجاء، فيتحرَّك للعمل طلبًا للخلاص من المخوف، ورغبةً في حصول المرجوِّ.
والعظة هي الأمر والنَّهي المقرون بالترغيب والترهيب.
والعظة نوعان: عظةٌ بالمسموع، وعظةٌ بالمشهود. فالعظة بالمسموع الانتفاع بما يسمعه من الهدى والرُّشد والنصائح التي جاءت على يد٢ الرُّسل، وكذلك الانتفاع بالعظة من كلِّ ناصحٍ ومرشدٍ في مصالح الدِّين والدُّنيا. والعظة بالمشهود: الانتفاع بما يراه ويشهده في العالم من مواقع العِبَر وأحكام القدر ومجاريه، وما يشاهده من آيات الله الدالَّة على صدق رسله.
وأمَّا (الاستبصار للعبرة)، فهو زيادة البصيرة عمَّا كانت عليه في منزل التفكُّر بقوَّة الاستحضار، لأنَّ التذكُّر يَصْقُل المعاني التي حصلت بالتّفكُّر في مواقع الآيات والعبر، فهو يظفر بها بالتفكُّر، وتنصقل له وتنجلي بالتذكُّر،
(١) (ص ١٥).
(٢) م، ج، ن: «أيدي».
فيقوى العزم على السَّير بحسب قوّة الاستبصار، لأنّه يوجب تحديد١ النّظر فيما يحرِّك الطلب، إذ الطلب فرع الشُّعور، وكلَّما٢ قوي الشُّعور بالمحبوب اشتدَّ سفر القلب إليه، وكلّما اشتغل الفكر به ازداد الشُّعور والبصيرة به والذكر٣ له.
وأمّا (الظَّفر بثمرة الفكرة)، فهذا موضعٌ لطيفٌ. وللفكرة ثمرتان: حصول المطلوب تامًّا بحسب الإمكان، والعمل بموجبه رعايةً لحقِّه؛ فإنَّ العقل حال التفكُّر كان قد كَلَّ بإعماله في تحصيل المطلوب، فلمَّا حصلت له المعاني وتخمَّرت في القلب واستراح العقل عاد فتذكَّر ما كان حصَّله وطالعه، فابتهج به وفرح به، وصحَّح في هذا المنزل ما كان فاته في منزل التفكُّر، لأنَّه قد أشرف عليه من مقام التذكُّر الذي هو أعلى منه، فأخذ حينئذٍ في الثمرة المقصودة، وهي العمل بموجَبه مراعاةً لحقِّه، فإنَّ العمل الصالح هو ثمرة العلم النافع الذي هو ثمرة التفكُّر.
وإذا أردت فهم هذا بمثال حسِّي: فطالب المال ما دام جادًّا في طلبه فهو في كلالٍ وتعبٍ، حتّى إذا ظفر به استراح من كدِّ الطلب، وقدم من سفر التِّجارة وطالع ما حصَّله وأبصره، وصحَّح في هذه الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب، فإذا صحَّ له وبردت غنيمتُه له أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه.
(١) ش: «تجديد» بالجيم. وفي الأصل، ل، ع علامة الإهمال تحت الحاء.