مدارج السالكين

فيقوى العزم على السَّير بحسب قوّة الاستبصار، لأنّه يوجب تحديد١ النّظر فيما يحرِّك الطلب، إذ الطلب فرع الشُّعور، وكلَّما٢ قوي الشُّعور بالمحبوب اشتدَّ سفر القلب إليه، وكلّما اشتغل الفكر به ازداد الشُّعور والبصيرة به والذكر٣ له.

وأمّا (الظَّفر بثمرة الفكرة)، فهذا موضعٌ لطيفٌ. وللفكرة ثمرتان: حصول المطلوب تامًّا بحسب الإمكان، والعمل بموجبه رعايةً لحقِّه؛ فإنَّ العقل حال التفكُّر كان قد كَلَّ بإعماله في تحصيل المطلوب، فلمَّا حصلت له المعاني وتخمَّرت في القلب واستراح العقل عاد فتذكَّر ما كان حصَّله وطالعه، فابتهج به وفرح به، وصحَّح في هذا المنزل ما كان فاته في منزل التفكُّر، لأنَّه قد أشرف عليه من مقام التذكُّر الذي هو أعلى منه، فأخذ حينئذٍ في الثمرة المقصودة، وهي العمل بموجَبه مراعاةً لحقِّه، فإنَّ العمل الصالح هو ثمرة العلم النافع الذي هو ثمرة التفكُّر.

وإذا أردت فهم هذا بمثال حسِّي: فطالب المال ما دام جادًّا في طلبه فهو في كلالٍ وتعبٍ، حتّى إذا ظفر به استراح من كدِّ الطلب، وقدم من سفر التِّجارة وطالع ما حصَّله وأبصره، وصحَّح في هذه الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب، فإذا صحَّ له وبردت غنيمتُه له أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه.

  1. (١) ش: «تجديد» بالجيم. وفي الأصل، ل، ع علامة الإهمال تحت الحاء.
  2. (٢) ع: «فكلَّما».
  3. (٣) ع: «والتذكر».
73

فصل

قال١: (وإنَّما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء: شدَّة الافتقار إليها، والعمى عن عيب الواعظ، وتذكُّر الوعد والوعيد).

إنّما يشتدُّ افتقار العبد إلى العِظة ــ وهي الترغيب والترهيب ــ إذا ضَعُف تذكُّره وإنابته، وإلّا فمتى قويت إنابته وتذكُّره لم تشتدَّ حاجته إلى الترغيب والترهيب، ولكن الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر والنهي.

والعظة يراد بها أمران: الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، ونفس الرغبة والرهبة. فالمنيب المتذكِّر شديد الحاجة إلى الأمر والنهي، والمُعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب، والمعارض المنكر٢ شديد الحاجة إلى المجادلة؛ فجاءت هذه الثلاثة في حقِّ هؤلاء الثلاثة في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].

وأطلق الحكمة ولم يقيِّدها بوصف الحسنة، إذ كلُّها حسنة ووَصْف الحسن لها ذاتيٌّ. وأمَّا الموعظة فقيَّدها بوصف الإحسان، إذ ليس كلُّ موعظةٍ حسنةً. وكذلك الجدال قد يكون بالتي هي أحسن، وقد يكون بغير ذلك. وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادِل من غلظته ولينه وحدَّته ورفقه، فيكون مأمورًا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن؛ وأن يكون صفةً لما يجادَل به من الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيءٍ وأبينُه،

  1. (١) «منازل السائرين» (ص ١٥).
  2. (٢) ع: «المتكبِّر».
74

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي