قال١: (وإنَّما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء: شدَّة الافتقار إليها، والعمى عن عيب الواعظ، وتذكُّر الوعد والوعيد).
إنّما يشتدُّ افتقار العبد إلى العِظة ــ وهي الترغيب والترهيب ــ إذا ضَعُف تذكُّره وإنابته، وإلّا فمتى قويت إنابته وتذكُّره لم تشتدَّ حاجته إلى الترغيب والترهيب، ولكن الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر والنهي.
والعظة يراد بها أمران: الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، ونفس الرغبة والرهبة. فالمنيب المتذكِّر شديد الحاجة إلى الأمر والنهي، والمُعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب، والمعارض المنكر٢ شديد الحاجة إلى المجادلة؛ فجاءت هذه الثلاثة في حقِّ هؤلاء الثلاثة في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[النحل: ١٢٥].
وأطلق الحكمة ولم يقيِّدها بوصف الحسنة، إذ كلُّها حسنة ووَصْف الحسن لها ذاتيٌّ. وأمَّا الموعظة فقيَّدها بوصف الإحسان، إذ ليس كلُّ موعظةٍ حسنةً. وكذلك الجدال قد يكون بالتي هي أحسن، وقد يكون بغير ذلك. وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادِل من غلظته ولينه وحدَّته ورفقه، فيكون مأمورًا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن؛ وأن يكون صفةً لما يجادَل به من الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيءٍ وأبينُه،
(١) «منازل السائرين» (ص ١٥).
(٢) ع: «المتكبِّر».
وأدلُّه على المقصود وأوصله إلى المطلوب. والتّحقيق أنَّ الآية تتناول النّوعين.
وأمَّا ما ذكره بعض المتأخِّرين١ أنّ هذا إشارة إلى أنواع القياسات: فالحكمة هي طريقة البرهان، والموعظة الحسنة طريقة الخطابة، والمجادلة بالّتي هي أحسن طريقة الجدل، فالأوَّل بذكر المقدِّمات البرهانيَّة لمن لا يرضى إلا بالبرهان ولا ينقاد إلا له وهم خواصُّ النَّاس، والثَّاني بذكر المقدِّمات الخطابيَّة التي تثير رغبةً ورهبةً لمن يقنع بالخطابة وهم الجمهور، والثَّالث بذكر المقدِّمات الجدليَّة للمعارض الذي يندفع بالجدل وهم المخالفون= فتنزيلٌ للقرآن٢ على قوانين أهل المنطق اليونانيِّ واصطلاحهم، وذلك باطلٌ قطعًا من وجوهٍ عديدةٍ ليس هذا موضع ذكرها٣، وإنَّما ذُكر هذا استطرادًا لذكر العظة، وأنّ المنيب المتذكِّر لا تشتدُّ حاجته إليها كحاجة الغافل المعرض، فإنَّه شديد الحاجة جدًّا إلى العظة ليتذكَّر ما قد نسيه فينتفع بالتذكُّر.
وأمّا (العمى عن عيب الواعظ)، فإنّه إذا اشتغل به حُرِم الانتفاع بموعظته، لأنَّ النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه
(١) كابن رشد في «فصل المقال» (ص ٣١).
(٢) ش، ج، ن، ع: «القرآن».
(٣) انظر: «مفتاح دار السعادة» (١/ ٤٣٣، ٤٩١ - ٤٩٢)، وذكر فيه أنه بيَّن بطلان هذا التفسير عقلًا وشرعًا ولغةً وعُرفًا من وجوه متعدِّدة في موضع آخر. ولم نجد ذلك في كتبه المطبوعة. وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٩/ ١٦٤) و«الرد على المنطقيين» (ص ٤٣٨ - ٤٦٩).