وأدلُّه على المقصود وأوصله إلى المطلوب. والتّحقيق أنَّ الآية تتناول النّوعين.
وأمَّا ما ذكره بعض المتأخِّرين١ أنّ هذا إشارة إلى أنواع القياسات: فالحكمة هي طريقة البرهان، والموعظة الحسنة طريقة الخطابة، والمجادلة بالّتي هي أحسن طريقة الجدل، فالأوَّل بذكر المقدِّمات البرهانيَّة لمن لا يرضى إلا بالبرهان ولا ينقاد إلا له وهم خواصُّ النَّاس، والثَّاني بذكر المقدِّمات الخطابيَّة التي تثير رغبةً ورهبةً لمن يقنع بالخطابة وهم الجمهور، والثَّالث بذكر المقدِّمات الجدليَّة للمعارض الذي يندفع بالجدل وهم المخالفون= فتنزيلٌ للقرآن٢ على قوانين أهل المنطق اليونانيِّ واصطلاحهم، وذلك باطلٌ قطعًا من وجوهٍ عديدةٍ ليس هذا موضع ذكرها٣، وإنَّما ذُكر هذا استطرادًا لذكر العظة، وأنّ المنيب المتذكِّر لا تشتدُّ حاجته إليها كحاجة الغافل المعرض، فإنَّه شديد الحاجة جدًّا إلى العظة ليتذكَّر ما قد نسيه فينتفع بالتذكُّر.
وأمّا (العمى عن عيب الواعظ)، فإنّه إذا اشتغل به حُرِم الانتفاع بموعظته، لأنَّ النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه
(١) كابن رشد في «فصل المقال» (ص ٣١).
(٢) ش، ج، ن، ع: «القرآن».
(٣) انظر: «مفتاح دار السعادة» (١/ ٤٣٣، ٤٩١ - ٤٩٢)، وذكر فيه أنه بيَّن بطلان هذا التفسير عقلًا وشرعًا ولغةً وعُرفًا من وجوه متعدِّدة في موضع آخر. ولم نجد ذلك في كتبه المطبوعة. وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٩/ ١٦٤) و«الرد على المنطقيين» (ص ٤٣٨ - ٤٦٩).
ولا ينتفع به. وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواءً لمرضٍ به مثلُه والطبيب مُعرضٌ عنه غيرُ ملتفتٍ إليه، بل الطبيب المذكور عندهم أحسن حالًا من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به، لأنَّه قد يقوم عنده دواءٌ آخر مقامَ هذا الدَّواء، وقد يرى أنَّ به قوَّةً على ترك التَّداوي، وقد يقنع بعمل الطبيعة، وغير ذلك؛ بخلاف هذا الواعظ فإنَّ ما يعظ به طريق معيَّن للنجاة لا يقوم غيرُها مقامها ولا بدّ منها.
ولأجل هذه النُّفرة قال شعيب ــ صلى الله على نبيِّنا وعليه وسلَّم ــ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾[هود: ٨٨].
وقال بعض السَّلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنَّهي، فإذا أمرتَ بشيءٍ فكن أوَّل الفاعلين له المؤتمرين به، وإذا نهيتَ عن شيءٍ فكن أوَّل المنتهين عنه١.
وقد قيل٢:
يا أيُّها الرجل المعلِّم غيرَههلَّا لنفسك كان ذا التّعليمُ؟
تصف الدّواء لذي السِّقام من الضَّنىومن الضَّنى تمسي وأنت سقيمُ
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلهعارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
(١) روي عن الحسن البصري نحوه. أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ٣١٨) وابن أبي الدنيا في «الأمر بالمعروف» (٩١) وأبو نُعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ١٥٤).
(٢) الأبيات الثلاثة الأخيرة من قصيدة أوردها صاحب «الخزانة» (٨/ ٥٦٧) لأبي الأسود الدؤلي. وتُنسب مع البيتين الأولين إلى المتوكل الليثي. وعُزي بعضُهما إلى غيرهما أيضًا. انظر تخريجها في «ديوان أبي الأسود» (ص ٤٠٥ - ٤٠٧) و«شعر المتوكل» (ص ٢٨٤).