مدارج السالكين
وابدأ بنفسك فانهها عن غيِّهافإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
فهناك يقبل ما تقول ويقتدىبالقول منك وينفع التعليمُ

فالعمى عن عيب الواعظ من شروط تمام الانتفاع بموعظته.

وأمَّا (تذكُّر الوعد والوعيد) فإنَّ ذلك يوجب خشيته والحذر منه، ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به وخافه ورجاه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣]، وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠]، وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ٤٢ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ٤٣ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ٤٤ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ١﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٥]. وأصرح من ذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥].

فالإيمان بالوعد والوعيد وذكره شرطُ الانتفاع بالعظات والآيات والعبر، يستحيل حصوله بدونه.

قال٢: (وإنما تُستبصر العبرة بثلاثة أشياء: بحياة العقل، ومعرفة الأيّام، والسلامة من الأغراض).

وإنّما تتميَّز٣ العبرةُ وتُرى وتتحقَّق بحياة العقل، والعبرة هي الاعتبار، وحقيقتها العبور من حكم الشَّيء إلى حكم مثله، فإذا رأى من قد أصابته محنةٌ وبلاءٌ لسببٍ ارتكبه، علم أنَّ حكم مَن ارتكب ذلك السبب كحكمه.

  1. (١) في ع اقتصر على الآية الأخيرة.
  2. (٢) «منازل السائرين» (ص ١٥).
  3. (٣) ل: «تميز».
77

وحياة العقل هي صحَّة الإدراك، وقوَّة الفهم وجودته، وتحقيق الانتفاع١ بالشّيء والتضرُّر به. وهو نورٌ يخصُّ الله به من يشاء من خلقه، وبحسب تفاوت الناس في قوَّة ذلك النُّور وضعفه ووُجوده وعدمه يقع تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم. ونسبته إلى القلب كنسبة النُّور الباصر إلى العين.

ومن تجريبات السالكين التي جرَّبوها فألْفَوها صحيحةً أنَّ مَن أدمن مِن قول: «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلا أنت» أورثه ذلك حياة القلب والعقل.

وكان شيخ الإسلام ابن تيميَّة شديدَ اللهج بها جدًّا، وقال لي يومًا: لهذين الاسمين ــ وهما الحيُّ القيُّوم ــ تأثير عظيم في حياة القلب، وكان يشير إلى أنَّهما الاسم الأعظم، وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرَّةً كلَّ يومٍ بين سُنَّة الفجر وصلاةِ الفجر: «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث» = حصلت له حياة القلب، ولم يَمُت قلبُه٢.

ومَن علم عبوديَّات الأسماء الحسنى والدُّعاء بها، وسرَّ ارتباطها بالخلق والأمر، وبمطالب العبد وحاجاته= عرف ذلك وتحقَّقه٣، فإنَّ كلَّ مطلوبٍ

  1. (١) ع: «وتحقُّق الانتفاع».
  2. (٢) ومما ورد عن شيخ الإسلام فيه: أنه كتب في رسالته إلى الملك المنصور حسام الدين لاجين: «... فإذا ناجى ربَّه في السحر واستغاث به وقال: (يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث) أعطاه الله من المُكنة ما لا يعلمه إلا الله». «جامع المسائل» (٧/ ٤٤٤).
  3. (٣) انظر: «زاد المعاد» (٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣) فقد شرح فيه مناسبة هذين الاسمين لحياة القلب.
78

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي